الفصل التاسع: في عاقبة كفر النعمة
لقد ذم الله تعالى في كتابه الكريم من يجحد نعمة ربه وينكر جزيل فضله وإنعامه. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات:6] قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: الكنود: الكفور (1). وقال الحسن: (هو الذي يعدد المصائب وينسى النعم) (2). وإن كنود الإنسان وجحوده لنعم الله تعالى قد يكون بعدم شكرها، أو بإنكار أن الله واهبها ونسبتها إلى العلم والخبرة والكد الشخصي والسعي. وقد يكون بسوء استخدامها كما تقدم (3).
والله تعالى قد توعد الكافرين بنعمه الجاحدين لها بالعذاب الشديد، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:7] وهذا العذاب قد يكون معجلاً في الدنيا بمحق النعمة وزوالها، أو تحولها إلى نقمة يشقى بها صاحبها ويحسد الخالين منها. وقد يكون عذاباً مؤجلاً إلى أجله في الدنيا أو في الآخرة، كما يشاء الله تعالى.
إنه ما من نعمة من نعم الله تعالى يمسك الله معها رحمته لعدم شكرها إلا انقلبت هي بذاتها نقمة وعذاباً. فالمال والولد والصحة والقوة والجاه والسلطان ... تصبح مصادر قلق وتعب ونكد و جهد إذا أُمسكت عنها رحمة الله، فإذا فتح الله أبواب رحمته لعبده الشكور كان في ذلك كلِّه السكنُ والراحةُ والسعادة والاطمئنان.
خذ – مثلاً – المال: فهو نعمة ومتاع ورخاء إذا قام العبد بشكر المنعم به، ثناءً باللسان، واعترافاً بالقلب، وعملاً بالجوارح، فصار رغداً في الدنيا، وزاداً إلى ثواب عظيم في الدار الآخرة. وقد يكون نقمة على صاحبه يشقى بجمعه. مع ما يصاحب ذلك من قلق وخوف، فيعذبه الله به في الدنيا لسوء صنيعه وعدم شكر ربه. فيكون الحرمان في الدنيا ببخل أو مرض لا يستفيد معه من هذا المال. أو التلف معه بإفراط أو استهتار، وهناك في الدار الآخرة: من أين اكتسبته؟ وفيم أنفقته؟
(1) تفسير ابن كثير (8/ 488).
(2) رواه ابن أبي الدنيا في الشكر ص (25) قال محققه: إسناده صحيح، ورواه البيهقي في الشعب (2/ 46).
(3) انظر: في ظلال القرآن (5/ 139).