الفصل السادس: التقصير في الشكر وأسبابه
أخبر الله في محكم كتابه أن الخلق عاجزون عن إحصاء نعم الله تعالى عليهم، فقال عز من قائل: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ [النحل:18] وهذا يعني أنهم لن يقوموا بشكر نعم الله تعالى على الوجه المطلوب. لأن من لا يحصي نعمة الله عليه كيف يقوم بشكرها. ولعل العبد لا يكون مقصراً إذا بذل قصارى جهده في الشك بتحقيق العبودية لله رب العالمين على حد قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16].
إنما التقصير الذي نعنيه، أن يتقلب الإنسان في نعم الله تعالى ليلاً ونهاراً، ظاعناً ومقيماً نائماً ويقظانَ، ثم يصدر من أقواله وأفعاله أو اعتقاداته مالا يجامع الشكر بحال من الأحوال، فهذا التقصير الاختياري هو الذي نريد أن نعرف شيئاً عن أسبابه. ثم نأتي بعد ذلك بما فتح الله به من علاج. والتوفيق بيد الله. فمن هذه الأسباب:
السبب الأول: الغفلة عن النعمة:
إن كثيراً من الناس يعيش في نعم عظيمة – عامة وخاصة – لكنه غافل عنها، لا يدري أنه يعيش في نعمة، ذلك لأنه ألفها ونشأ فيها. ولم يمرَّ عليه في حياته ضد لها، فهو يظن أن الأمر هكذا. والإنسان إذا لم يعرف النعمة ويشعر بها كيف يقوم بشكرها، لأن الشكر مبني على معرفة النعمة واستحضارها وإدراك أنها نعمة أنعم الله عليه بها. قال بعض السلف: (النعمة من الله على عبده مجهولة، فإذا فُقدت عُرفت) (1).
إن كثيراً من الناس في زماننا هذا يتقلبون في نعم الله تعالى، يملأون بطونهم بالطعام والشراب، ويلبسون أحسن اللباس، ويتدثرون بأنعم الغطاء، ويركبون أحسن المراكب، ثم يمضون لشأنهم، لا يتذكرون نعمة، ولا يعرفون لله حقاًّ، فهم كالدواب تَدُسُّ فمها في مِِزْودها، فإذا شبعت انصرفت، وهذا هو حسبها.
والنعم إذا كثرت بتوالي الخيرات وتنوعها غفل الإنسان عن الخالين منها، وظن أن غيره كذلك، فلم يصدر منه شكر للمنعم. ولهذا أمر الله تعالى عباده بأن يذكروا نعمه عليهم – كما
(1) ربيع الأبرار (4/ 325).