والقرآن الكريم حين يذكر هذه النعم العظيمة إنما يحث العباد على تأملها ليشكروا الله تعالى عليها. ولهذا تكرر ذكر الشكر بعد ذكر البحر والفك التي تشق عبابه، وذكر ما في البحر من خيرات ...
(23) نعم الجبال:
خلق الله تعالى الجبال، وجعل فيها من المنافع ما هو دليل على قدرة باريها وفاطرها. وقد ذكر الله تعالى الجبال في آيات من القرآن. وبين سبحانه أنها رواسٍ وأوتاد لتثيبت الأرض أن تضطرب. وهذا من فضل الله على خلقه. قال تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [النحل: 15] وقال تعالى: ... ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ [النبأ: 7] وقال تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النازعات:32].
قال ابن كثير – رحمه الله – في تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبياء:31] أي: جبالاً أرسى الأرض بها، وقررها وثقلها، لئلا تميد بالناس أي تضطرب وتتحرك، فلا يحصل لهم عليها قرار، لأنها غامرة في الماء إلا مقدار الربع، فإنه بادٍ للهواء والشمس، ليشاهد أهلها السماء وما فيها من الآيات الباهرات، والحكم والدلالات، ولهذا قال: ﴿أَن تَمِيدَ بِهِمْ﴾ لئلا تميد بهم) (1).
وقال القرطبي في قوله تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ (يعني أثبتها فيها أوتاداً لها) (2).
وفي الجبال منافع عظيمة، وقد جاء في حديث إسلام ضِمامِ بن ثعلبة قوله للنبي صلى الله عليه وسلم: (بالذي نصب الجبال، وأودع فيها المنافع آلله أمرك بكذا وكذا؟ قال: " اللهم نعم ") (3).
ومن منافع الجبال:
1 - أن الثلج يسقط عليها فيبقى في قُللَِها حاصلاً لشراب الناس إلى حين نفاذه، وجُعل فيها ليذوب أولاً فأولاً، فتجيئ منه السيول الغريزة وتسيل منه الأنهار والأودية. فينبت في المروج والوهاد والربى ضروب النبات والفواكه والأدوية التي لا يكون مثلها في السهل والرمل. فلولا
(1) تفسير ابن كثير (5/ 333).
(2) تفسير القرطبي (20/ 205).
(3) أخرجه البخاري (1/ 147 فتح) – من حديث أنس رضي الله عنه.