وفي البحار اللحم الطري وغيره من الأطعمة. وقد دلت الدراسات الحديثة على أن خيرات اللحم الطري وحدها لو استغلت استغلالاً جيداً لسدت حاجة البشرية كلها، لأن في البحار ما يقرب من عشرين ألف نوع من الأسماك (1).
والتعبير عن السمك باللحم الطري إشارة – والله أعلم – إلى قلة عظامه بالنسبة لما يصطاد من الأنعام، وإيذان بكمال قدرته تعالى في خلق الطري في الماء المالح الذي لا يشرب (2).
ومما يدل على كمال قدرة الله تعالى وعظيم خلقه أن الملايين من الصيادين ينشرون شباكهم في البحر، ويُخْرِجُونَ كل ساعة الملايين من أطنان الأسماك دون أن يتأثر البحر بصيد هذه الكميات العظيمة.
ثم تأمل الأعماق التي فيها هذه الحيوانات. وأن لكل عمق أصنافاً مميزة موحدة، وقد اختلفت تراكيبها وأجهزتها (3).
وفي البحار الحلي واللآلئ، والمرجان وثروات عظيمة لا يعلمها إلا الله الذي خلقها.
وفي البحار تجري الفلك وهي السفن والمراكب ونحوها بما فيها من الركاب والأموال والبضائع التي هي من منافع الناس وبما تقوم به مصالحهم وتنتظم به معيشتهم. قال تعالى: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ﴾ [البقرة:164]. وهذه السفن هي أيضاً من نعم الله تعالى على عباده، فهو الذي ألهم العباد صنعها. وأقدرهم عليها، وخلق لهم من الآلالت ما به يعملونها. ثم سخر لهم البحر وما أودعه من خصائص .. من كثافة وعمق وسعة، تجري فيه السفن بإذنه وتسخيره بلا قائد يقودها ولا سائق يسوقها، وإنما قائدها وسائقها الرياح التي يسخرها الله لإجرائها، وكذا غير الرياح التي سخرها الله للإنسان في هذا الزمان، فإذا حبس عنها القائد والسائق ظلت راكدة على وجه الماء. قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ ﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [الشورى:32 - 33] (4).
(1) الشكر في القرآن ص (207).
(2) روح المعاني (14/ 111، 112).
(3) انظر كتاب: " الله والعلم الحديث "، ص (78).
(4) انظر مفتاح دار السعادة (1/ 205).