وتأمل ما في اختلاف الليل والنهار من الحكم العظيمة، ففي الشتاء يطول الليل ويقصر النهار، وفي الصيف يطول النهار ويقصر الليل، ثم اختلافهما في الحر والبرد والوسط، وما ينشأ عن ذلك من الفصول التي بها انتظام مصالح بين آدم وحيواناتهم، وجميع ما على وجه الأرض من أشجار ونباتات ..
(20) نعمة الزمن:
إن الزمن نعمة عظيمة ومنحة كبرى. ذكرها الله تعالى في مواضع من كتابه. ممتناً بها على عباده ليستفيدوا منها، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان:62]. أي: جعل الليل يخلف النهار، والنهار يخلف الليل، توقيتاً لعبادة عباده له، فمن فاته عمل في الليل استدركه في النهار، ومن فاته عمل في النهار استدركه في الليل (1).
وقد تقدم حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) (2) وتقدم حديث (اغتنم خمساً قبل خمس – ومنها- فراغك قبل شغلك) (3).
إن هذه النصوص تدل بوضوح على عظم هذه النعمة – نعمة الزمن وهو الليل والنهار، ساعات العمر ولحظاته التي يعيشها الإنسان مدة حياته. ولكن هذه النعمة لا يدرك قدرها ويستفيد منها إلا الموفقون من عباد الله الصالحين، الذين يعرفون قيمة العمر وثمن الحياة، فالمستفيد من نعمة الزمن هم القلة من خلق الله. وأكثر النار مغبونون.
إن نعمة الفراغ من نعم الله تعالى التي يغفل عنها كثير من الناس، ويجهلون قدرها، ولا يقومون بحق شكرها. بل تراهم يقتلون الأوقات، وينفقونها فيما لا نفع فيه، أو ما فيه ضرر في العاجل أو الآجل.
(1) (2 تفسير ابن كثير (6/ 130).
(2) (3 أخرجه البخاري (11/ 229 فتح).
(3) رواه الحاكم (4/ 306) وابن أبي الدنيا في قصر الأمل موصولاً عن ابن عباس مرفوعا ً، وصححه الحاكم والذهبي على شرط الشيخين. ورواه الخطيب في اقتضاء العلم العمل (ص 100) مرسلاً عن عمرو بن ميمون. وهو مرسل حسن. انظر تعليق الألباني على الاقتضاء. وانظر: فتح الباري (11/ 235).