رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً} [الإسراء:12]، وقال تعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر:61]، وقال تعالى ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ ﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: 71 - 73].
إن من رحمة الله بعباده أن جعل الليل سكينة وقراراً، والنهار نشاطاً وعملاً، جعل الليل سكناً ولباساً يغشي العالم، فتسكن فيه الحركات، وتأوي الحيوانات إلى بيوتها، والطير إلى أوكارها، وتستجد في النفوس، وتستريح من كد السعي والتعب، حتى إذا أخذت منه النفوس راحتها وسباتها، وتطلعت إلى معايشها وتَصرُّفها، جاء فالق الإصباح سبحانه وتعالى بالنهار يَقْدُمُ جيشه بشير الصباح، فهزم تلك الظلمة وكشف عن العالم فإذا هم مبصرون (1) ...
ولكن الناس لطول الإلف والتكرار وما اعتادوا من كرِّ الجديدين يغفلون وينسون، فلا يشكرون، والقرآن الكريم يوقظهم من همود الإلف والعادة ويلفتهم إلى تمليِّ الكون من حولهم، ومشاهده العظيمة، فكيف بهم لو دام عليهم الليل سرمداً إلى يوم القيامة – على فرض أنهم ظلوا أحياء – وكيف بهم لو دام عليهم النهار سرمداً إلى يوم الدين – على فرض أنهم ظلوا أحياء – لا ريب أن الحياة كلها لمعرضة للتلف والبوار إن دام عليها الليل أو النهار.
إن الناس يشتاقون إلى الصبح حين يطول بهم الليل قليلاً في أيام الشتاء، ويحنون إلى الشمس حين تتوارى عنهم فترة وراء السحاب. فكيف لو فقدوا الضياء؟! ويستروحون الظلال حين يطول عليهم الهجير ساعات من النهار، ويحنون إلى الليل حين يطول النهار بعض الساعات في الصيف ويجدون في ظلام الليل وسكونه الملجأ والقرار. والحياة كلها تحتاج إلى فترة الليل لتجدد ما تنفقه من الطاقة في نشاط النهار، فكيف بالناس لو ظل النهار إلى يوم القيامة؟! (2).
(1) انظر مفتاح دار السعادة (1/ 203).
(2) انظر في ظلال القرآن (6/ 369 - 370).