وأما النجوم فهي مخلوقات هائلة. خلقها الله تعالى زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات تعرف بها الجهات الأربع، ويُهتدى بها في ظلمات البر والبحر بحيث يعرف الناس بها صحة سيرهم. وتأمل ما جعل الله تعالى بها من الضوء والنور بحيث تمكن رؤيتها مع البعد المفرط. ولولا ذلك لم يحصل بها الاهتداء والدلالة ومعرفة المواقيت.
وقد أثبتت أبحاث علم الفلك أن ترتيب النجوم لم يتغير وسيظل كما هو. فلم تتغير النجوم عن مكانها، وأن آلاف السنين لا تحدث أي تغيير في ترتيب النجوم في السماء إلا تلك النقط التي تسمى (بالسيارات) وبعض النجوم لا يسير إلا مع رفقته ولا يفرد عنهم سيره أبداً ,. وبعضها يسير سيراً مطلقاً غير مقيد برفيق ولا صاحب (1) ...
قال ابن القيم – رحمه الله – (فإن قلت فما الحكمة في كون بعض النجم راتباً وبعضها منتقلاً؟ قيل: إنها لو كانت كلها راتبة لبطلت الدلالة والحكَمُ التي نشأت من تنقلها في منازلها ومسيرها في بروجها، لولا كانت كلها منتقلة لم يكن لمسيرها منازل تعرف بها، ولا رسم يقاس عليها، لأنه إنما يقاس مسير المتنقلة منها بالراتب كما يقاس مسير السائرين على الأرض بالمنازل التي يمرون عليها، فلو كانت بحال واحدة لاختلط نظامها، ولبطلت الحكم والفوائد والدلالات التي في اختلافها، ولتشبث المعطل بذلك، وقال: لو كان فاعلها ومبدعها مختاراً لم تكن على وجه واحد، وأمر واحد، وقدر واحد، فهذا الترتيب والنظام الذي هي عليه من أدل الدلائل على وجود الخالق وقدرته، وإرادته وعلمه وحكمته ووحدانيته (2).
(19) نعمة الليل والنهار:
الليل والنهار من أعجب آيات الله وبدائع مصنوعاته، ونعمه الجسيمة على عباده، هما ظاهرتان ضروريتان للإنسان لا غنى عنهما، ولا ينفصل أحدهما عن الآخر، فهما متداخلان.
وقد جاء ذكر الليل والنهار في القرآن الكريم في مواضع عديدة، ليعرف العباد قيمة هذه النعمة، ويقوموا بشكرها. قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾ [فصلت:37] وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾ [النحل:12] وقال تعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن
(1) انظر المصدر السابق (1/ 211)، القرآن والعلم الحديث ص 172.
(2) مفتاح دار السعادة (1/ 212).