كانت بين المسافتين اعتدل الزمان، وقامت مصالح العباد والحيوان والنبات بهذه الفصول الأربعة، واختلفت بسببها الأقوات وأحوال النبات وألوانه ومنافع الأغذنة وغيرها) (1).
ثم تأمل نعمة الله على خلقه في الخريف والربييع فجعل الخريف برزخاً بين سموم الصيف وبرد الشتاء، فيعتدل الزمان، ويصفو الهواء ويبرد، فلا ينتقل الحيوان وهلة واحدة من الحر الشديد إلى البرد الشديد، فيجد أذاه، ويعظم ضرره، فإذا انتقل إليه بتدريج وترتيب لم يصعب عليه، وأما الربيع فجعله الله برزخاً بين الشتاء والصيف، ينتقل فيه الحيوان من برد هذا إلى حر هذا بتدريج وترتيب، فتبارك الله رب العالمين، وأحسن الخالقين (2).
وأما القمر فهو يضيء لنا ليلاً، وتعرف به الأيام والشهور والسنين. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس:5]. فبالشمس تعرف الأيام وبالقمرتعرف الشهور والأعوام.
يقول ابن القيم – رحمه الله -: (ثم تأمل إنارة القمر والكواكب في ظلمة الليل، والحكمة في ذلك، فإن الله تعالى اقتضت حكمته خلق الظلمة لهدوء الحيوان، وبرد الهواء على الأبدان والنبات، فتعادل حرارة الشمس، فيقوم النبات والحيوان، فلما كان ذلك مقتضى حكمته شاب الليل بشيء من الأنوار، ولم يجعله ظلمة داجية حندساً لا ضوء فيه أصلاً، فكان لا يتمكن الحيوان فيه من شيء من الحركة ولا الأعمال، ولما كان الحيوان قد يحتاج في الليل إلى حركة ومسير وعمل لا يتهيأ له بالنهار، لضيق النهار أو لشدة الحر أو لخوفه بالنهار كحال كثير من الحيوان، جعل في الليل أضواء الكواكب، وضوء القمر ما يأتي معه أعمال كثيرة كالسفر والحرث وغير ذلك من أعمال أهل الحروث والزروع ... وجعل طلوعه في بعض الليل دون بعض مع نقص ضوئه عن الشمس لئلا يستوي الليل والنهار، فتفوت حكمة الاختلاف بينهما والتفاوت الذي قدره العزيز العليم .. فسبحان من أتقن ما صنع، وأحسن كل شيء خلقه ... ) (3).
(1) مفتاح دار السعادة (1/ 198).
(2) المصدر السابق (1/ 208، 209).
(3) مفتاح دار السعادة (1/ 210).