المصالح المنزلية على وجودها، فاقتضت حكمة العزيز العليم أن جعلها مخزونة في الأجسام يخرجها ويبقيها الرجل عند حاجته إليها، فيمسكها ويحبسها بمادة يجعلها فيها من الحطب ونحوه، فلا يزال حابسها ما احتاج إلى بقائها، فإذا استغنى عنها وترك حبسها بالمادة خَبتْ بإذن ربها وفاطرها، فسقطت المؤنة والمضرة ببقائها. فسبحان الخالق الذي تعرف إلينا بآياته، وشفانا ببيناته، وأغنانا بها عن دلالات العالمين (1).
ومن مصالح النار العظيمة هذا المصباح الذي يتخذه الناس للإضاءة، فيقضون به من حوائجهم ما شاؤوا في ليلهم، ولو لا ذلك لكان الناس نصف أعمارهم بمنزلة أصحاب القبور، فمن كان يستطيع كتابة أو خياطة أو صناعة أو تصرفاً في ظلمة الليل الداجي. ثم انظر إلى ذلك النور المحمول في ذُبالة المصباح على صغر جوهره، كيف يضيء ما حوله كله، فترى به القريب والبعيد، ثم انظر إلى أنه لو اقتبس منه كل من يفرض أن يقدر من خلق الله كيف لا يفني ولا ينفد ولا يضعف (2).
إن هذه النار بمصالحها وفوائدها العظيمة أصبحت أمرا؟ ً مألوفاً لا يثير الاهتمام. فضلاً عن أن يورث الشكر لصاحب الفضل والامتنان. والإنسان يوري النار. ولكن من الذي أنشأ وقودها؟ من الذي أنشأ الشجر الذي توقد به النار؟ فهل يعتبر العباد ويتذكرون ليشكروا ربهم على فضله وعطائه من غير حول منهم ولا قوة .. ؟؟
ومن فوائد النار الجليلة أنها تذكر بنار الآخرة – كما سلف – قال تعالى ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ [الواقعة:73] أي: للعباد بنعمة ربهم. وتذكر بنار جهنم التي أعدها الله للعاصين، وجعله سوطاً يسوق به عباده إلى دار النعيم (3).
وقد ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال (ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم " قيل: يا رسول الله. إن كانت لكافية، قال: فضلت عليهن بتسعة وستين جزءاً كلهن مثل حرها ") (4).
(1) مفتاح دار السعادة (1/ 215).
(2) مفتاح دار السعادة (1/ 216).
(3) تفسير ابن سعدي (5/ 167).
(4) أخجره البخاري (6/ 330 فتح) ومسلم رقم (2843).