ولذا قال بعض أهل العلم: كل نعمة يمكن شكرها إلا نعمة الله تعالى فإن شكر نعمه نعمة منه، فيحتاج العبد أن يشكر الثاني لشكر الأول، وكذا الحال في الثالث والرابع إلى ما لا يتناهى (1).
إن الله تعالى أمر بالشكر فقال سبحانه: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان:14] وأَمْرُهُ لعبده بالشكر إنعام عليه وإحسان منه إليه. إذ منفعة الشكر ترجع إلى العبد في دينه ودنياه وأخراه. لا إلى الله تعالى. والعبد هو الذي ينتفع بشكره، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [لقمان:12]. فالله جل وعلا هو المحسن إلى عبده بنعمه، وأحسن إليه بأن أوزعه شكرها. فشُكْرُهُ نعمةٌ من الله أنعم بها عليه تحتاج إلى شكر آخر.
ومن تمام نعمته وعظيم بره وكرمه وجوده محبتُه لعبده على هذا الشكر ورضاه به. وثناؤه به. مع أن منفعته مختصة بالعبد، وهذا غاية الكرم الذي لا كرم فوقه. ينعم عليك ثم يوفقك لشكر النعمة ويرضى عنك ثم يعيد إليك منفعة شكرك ويجعله سبباً لتوالي نعمه واتصالها إليك وزيادتك منها (2).
وما أحسن ما قاله ابن القيم – رحمه الله -: (النعم ثلاثة: نعمة حاصلة يعلم بها العبد. ونعمة منتظرة يرجوها. ونعمة هو فيها لا يشعر بها، فإذا أراد الله تمام نعمته على عبده عرَّفه نعمته الحاضرة، وأعطاه من شكره قيداً يقيدها به حتى لا تشرد. فإنها تشرد بالمعصية، وتُقَيَّدُ بالشكر، ووفقه لعمل يستجلب به النعمة المنتظرة وبصّره بالطرق التي تسدها وتقطع طريقها، ووفقه لاجتنابها، وإذا بها قد وافت إليه على أتم الوجوه، وعرّفه النعم التي هو فيها ولا يشعر بها) (3).
ويقول الحافظ ابن رجب – رحمه الله -: (الله عز وجل أكرم الأكرمين وأجود الأجودين، فهو يبذل نعمه لعباده، ويطلب منهم الثناء بها، وذكرها منهم، والحمد عليها ويرضى منهم بذلك شكراً عليها، وإن كان ذلك كله من فضله عليهم، وهو غير محتاج إلى شكرهم، لكنه يحب ذلك من عباده، حيث كان صلاح العبد وفلاحه وكماله فيه).
(1) الذريعة إلى مكارم الشريعة ص (280) وكتاب " الفاضل في اللغة والأدب "للمبرد ص (95).
(2) مدارج لسالكين (2/ 252).
(3) الفوائد ص (305).