وقد سخرهم الله تعالى لذلك لئلا يختاروا بأجمعهم صناعة واحدة فتبطل الأقوات والمعاونات فالناس إما راض بصنعته لا يريد عنها حولاً، وإما كاره لها يكابدها مع كراهته لها. وكأنه لا يجد بديلاً. وعلى هذا دل قوله صلى الله عليه وسلم: ... (كل ميسر لما خلق له)، وبذلك يعمر الكون. ويكتسب الناس. وتحصل الأرزاق) (1).
وإن من نعمة الله على الإنسان هذه النعم العظيمة، والخيرات الوفيرة من المآكل والمشارب والملابس والفرش. وكل ما تشتهيه النفس وتتمناه. ولا سيما في بلادنا – ولله الحمد والمنة – تذهب إلى سوق الأطعمة. وبيع الملابس والفرش .. وسائر احتياجات الناس فترى نعم الله الوفيرة التي تُجلب من شتى بقاع الأرض بأثمان مناسبة.
وما أحسن ما نقله ابن القيم – رحمه الله – عن بعض السلف أنه قال في خطبته يوم عيد: (أصبحتم زهراً، وأصبح الناس غَبراً، أصبح الناس ينسجون وأنتم تلبسون، وأصبح الناس ينتجون وأنتم تركبون، وأصبح الناس يزرعون وأنتم تأكلون، فبكى وأبكاهم) (2).
وجاء في الاختيارات لشيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -: (الأصل في الأطعمة الحل لمسلم يعمل صالحاً، لأن الله تعالى أحل الطيبات لمن يستعين بها على طاعته لا معصيته، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة:93]. ومن أكل الطيبات ولم يشكر فهو مذموم، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾} [التكاثر:8] أي: عن الشكر عليه (3).
ومعنى هذا أن العبد مطالب بأن يستعين بنعم الله تعالى على العمل الصالح الديني والدنيوي، لا على معصية الله تعالى والإفساد في الأرض، وكيف يليق بالإنسان أن يأكل نعم الله ويخالف أمره، إن هذا غاية الجحود!!.
(1) الذريعة إلى مكار المشريعة ص (375). والحديث المذكور أخرجه البخاري (8، 708 فتح) ومسلم (2647).
(2) عدة الصابرين ص (11) والغبر: بالتحريك هو الغبار.
(3) الاختيارات ص (321).