تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الرابع: أن تنتهي قوة تلك الغريزة إلى أن يعرف عواقب الأمور، فيعرف الراجح من الأمور فيؤثره، والمرجوح أو الضار فيتركه، ويقمع الشهوة الداعية إلى اللذة العاجلة، ويقهرها، وهذه هي الغاية القصوى للقوة الغريزية المذكورة.

قال الحارث المحاسبي – رحمه الله -: (اعلم أن كل عقل لا يصحبه ثلاثة أشياء فهو عقل مكيدٌ: إيثار الطاعة على المعصية، وإيثار العلم على الجهل، وإيثار الدين عل الدنيا .. ، واعلم أن ما تزيّن أحد بزينة كالعقل، ولا لبس ثوباً أجمل من العلم، لأنه ما عرف الله إلا بالعقل، ولا أطيع إلا بالعلم ... ) (1)

والناس يتفاوتون في عقولهم تفاوتاً عظيماً، سواء منها العقل الغريزي أو المكتسب، ولا سيما الأخير منها. فإن الناس يتفاوتون في غلبة الشهوة المؤدية إلى الفساد أو الانحراف. كما يتفاوتون في فهم العلوم وإدراكها، فإن منهم البليد الذي لا يفهم إلا بعد تعب طويل، والذكي الذي يفهم بأدنى رمز وأخصر عبارة، ومنهم الكامل الذي تنبعث من نفسه حقائق العلوم من غير تكلفة، كما قال تعالى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ﴾ [النور: 35]. وهذا مثل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، إذ يتضح لهم في باطنهم أمور غامضة من غير تعلم وسماع. ويعبر عن ذلك بالإلهام (2).

والمقصود أن العقل بجميع معانيه من نعم الله تعالى على الإنسان، فعليه أن يشكر ربه. ومن شكره أن يستفيد من عقله وذكائه في نفع الإسلام وأهله. فيعقل أحكام الشريعة، وآداب الإسلام، ويهتدي بهدي القرآن والسنة، ويوصل ذلك إلى الآخرين بأحسن أسلوب، وأوضح عبارة ..

أما من سخر عقله وإدراكه وذكاءه في الإساءة إلى الإسلام وأهله. وسخر قلمه للكتابة بما يمليه عليه عقله من أفكار منحرفة ومناهج ضالة. فهو على خطر عظيم، أن يسلب هذه النعمة، أو يعاقب على سوء صنيعه؛ لأنه لم يشكر ربه على نعمة العقل.

(4) نعمة الصحة:

(1) رسالة المسترشدين ص (151 – 152) وقوله: (فهو عقل مكيد) أي مغلوب بالشهوة.

(2) انظر مفتاح الساعادة ومصباح السيادة ص (3/ 24) المفرات في القرآن ص (341).

كيف نكون من الشاكرين · الصفحة ٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

كيف نكون من الشاكرينص ٣٧