تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما بالنسبة لعملية التمزيق فإن ما كانوا قد ركزوه من قبل من إثارة النعرة القومية، والنزعة الوطنية، قد آن أوانه عندهم لجعله أساساً لعملية التمزيق. وبالفعل اتخذوه أساساً. فجعلوا البلاد الناطقة باللسان التركي قطعة واحدة، وأخذوا بما لهم من سلطان مباشر ونفوذ كاسح يذكون نعرة القومية التركية، ويثيرون فكرة استقلال تركيا، ويعنون انفصالها عن باقي أجزاء الدولة الإسلامية، أو على حد تعبيرهم الإمبراطورية العثمانية، ويضفون على كلمة الاستقلال معنى التحرر من احتلال الحلفاء. ولكن الواقع العملي الذي كانت تدفع الناس إليه هو الاستقلال عن سائر أجزاء الدولة، أي الانفصال. وجعلوا البلاد الناطقة باللسان العربي قطعاً متعددة. ومع أن الإنجليز كانوا قد احتلوا أكثرها فإنهم لم يجعلوها قطعة واحدة كما وجدوها حين احتلوها، بل جعلوها قطعاً حسب الخرائط التي رسموها لها أثناء الحرب.

وبذلك نفذوا تمزيق الدولة المغلوبة عملياً، وجعلوها دولاً متعددة قبل أن يعقدوا معها معاهدة الصلح، بل قبل أن يتفقوا معها على شروط الصلح، بل بمجرد احتلالها قسموها إلى أقطار مختلفة، وباشروا حكمها باعتبارها دولاً متعددة احتلت من قبلهم. وهذا يخالف القانون الدولي، ويخالف ما عليه العلاقات الدولية، فإن احتلال الدولة الغالبة في الحرب لأراضي الدولة المغلوبة لا يكفي وحده ليقرر مصير الدولة المحتلة، أو الأراضي المحتلة، بل الذي يقرر ذلك إنما هو معاهدة الصلح أو شروط الصلح، حتى ولو أمليت هذه الشروط إملاء. وأقرب دليل على ذلك أن برلين بالرغم من مضي أكثر من أربعين سنة على احتلالها فإن مصيرها لم يقرره الاحتلال، وإنما تقرره شروط الصلح أو معاهدة الصلح، واتفاق الحلفاء عليها.

كيف هدمت الخلافة · الصفحة ٩٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

كيف هدمت الخلافةص ٩٥