ولم يتلق أي رد من السلطان على برقيته، ولكن جاءته الأخبار بعد ذلك بقليل بأن طلعت وأنور قد سقطا، وأن عزت باشا قد عين رئيساً للوزارة. وأن أعضاء الوزارة الجديدة هم الأشخاص الذين جاء ذكرهم في برقيته. وأرسل إليه عزت باشا برقية خاصة قال فيها: «إذا شاء الله آمل أن نلتقي كرفيقين بعد عقد شروط الهدنة».
ومن هذا يتبين أن مصطفى كمال بعد أن أخفق في إقناع السلطان وحيد الدين في خطته، وأبعد إلى الجبهة، لم يذهب ليحارب، وإنما ذهب ليبحث عن وسيلة لتنفيذ خطته. وقعوده في نابلس عن الحرب بحجة المرض، ثم انسحابه منها تواً إلى دمشق يثير الشكوك والريب. وأما ما فعله من الانسحاب من سورية كلها، وتركها لقمة سائغة للإنجليز، ومخالفة رأي القائد العام في ذلك فلا يبعد أن يكون بناء على اتفاق مع الإنجليز، بدليل الاتصال الذي حصل بينه وبين لورنس عن طريق الزعماء العرب الذين عرضوا عليه مشروع إقناع حكومته بالانسحاب من الحرب وعقد صلح منفرد، وبدليل أنه كان يقول: إنه يريد وضع خط دفاع في حلب للدفاع عن تركيا ليجعل ظهره إليها، ولم يأخذ معه سوى الأتراك من الجيش، وبدليل برقيته إلى وحيد الدين، ويؤكد ذلك ويعينه جواب عزت الخاص له، وقوله في برقيته: «آمل أن نلتقي كرفيقين بعد عقد شروط الهدنة».
استسلام الدولة العثمانية
وفي هذا الوقت كان أنور، وهو المسيطر على الدولة، يحاول لَمَّ شعث القوات المبعثرة الباقية التي نجت من المعارك الكثيرة، وإصدار الأوامر السريعة لهذه الفرق بالقدوم إلى العاصمة لمجابهة العدو، ولكن جميع من حوله كانوا يرون أن الساعة قد مرت، وأبى حتى الذين عضدوه من قبل، السير معه واتباع سياسته، فأرغم على الاستسلام وطلب الهدنة، فأجابه الحلفاء إلى ذلك، وعقد معاهدة الهدنة، ولم تبق إلا المفاوضات لعقد شروطها، وهكذا استسلمت الدولة العثمانية واحتلها الحلفاء.