ولم يمض أسبوعان حتى دعاه إليه فحضر مصطفى وكان السلطان بين حاشيته وبعض القواد الألمان. وبعد أن استقبله محتفياً مرحباً خاطبهم قائلا: «هذا هو مصطفى كمال باشا، وهو من أكفأ الضباط الذين أثق بهم»، ثم استدار إلى مصطفى وقال له: لقد عينتك يا صاحب السعادة قائداً لجبهة سورية، فهي ذات أهمية قصوى، وأنا أريدك أن تذهب إليها في الحال. وألا تدعها تقع في أيدي العدو، وأنا أعلم أنك ستؤدي المهمة التي أعهد بها إليك على خير الوجوه وأقربها إلى الكمال. ثم صرفه من حضرته على إثر ذلك مباشرة من غير أن يترك له أية فرصة للكلام.
انسحاب مصطفى كمال من سورية وتركها للإنجليز
وأما الحادث الرابع فإنه كان حين سافر مصطفى كمال إلى الجبهة ليحارب الإنجليز فسلمهم البلاد، وانسحب إلى الأناضول. وذلك أنه بعد إصدار الأمر إليه سافر إلى مقر قيادته في الجبهة السورية، ووصل إليها في آخر آب (أغسطس) سنة 1918، وقدم نفسه إلى القائد العام الألماني (ليمان ساندروز). إذ إن فالنكهاين كان قد عاد إلى ألمانيا في الربيع، فرحب به ساندروز وهو يعرفه من قبل، من أيام معركة (أنافورطه)، وسلمه قيادة الجيش السابع الذي كان يسيطر على القطاع الأوسط من خط الدفاع، وبعد أن تسلم قيادة الجيش في الجبهة اشتكى من مرض كليتيه، فلزم فراشه في مركز القيادة في نابلس في أول أيلول (سبتمبر) 1918. وفي 19 أيلول بدأ الهجوم الإنجليزي على الجبهة، فانسحب مصطفى كمال بجيشه جاعلاً ظهره إلى نهر الأردن، ثم عبر النهر وجمع فلول قوته ومضى بها نحو الصحراء، ثم انسحب وإياهم بمحاذاة الخط الحديدي إلى دمشق بسرعة دون أي توقف.