ثم توالت أسباب الخلاف بين مصطفى كمال وفولنكهاين. وذات يوم انعقد المجلس الحربي لمباشرة تنفيذ الخطط، وساده جوٍ من النقاش الحامي، فوجه فولنكهاين إلى مصطفى كمال كلاماً جارحاً، فرد عليه مصطفى كمال بقارص الكلم. وعلى إثر ذلك قدم مصطفى كمال استقالته فرفضها أنور، وأمر بإعادته إلى القفقاس. ولكنه لم يخضع هذه المرة للأمر، ورفض الذهاب، فتراجع أنور، ورأى أن خير أسلوب للتخلص من هذا الموقف الشاذ، ولستر تمرده منحه إجازة مرضية إلى أجل غير مسمى، ولكن فولنكهاين لم يوافق على الإجازة، ورأى محاكمة القائد المتمرد أمام مجلس عسكري. وأخيراً استقر الرأي على إجازته، وكان حينئذ في حلب. فحاول تركها، وأظهر حاجته للمال، وكان يملك عشرة خيول أصيلة، فأراد بيعها، ولكنه لم يجد من يشتريها. فما كان من جمال باشا إلا أن تقدم لمساعدته فأعطاه (2000) جنيه، ثم أرسل له (3000) جنيه بعد عودته إلى استانبول. وبذلك ظهر مصطفى كمال بعمله هذا ظهوراً جلياً أنه يقف ضد الدولة العثمانية في اشتباكها مع الإنجليز.
تشبث مصطفى كمال بتسلم الحكم
وأما في الحادث الثالث فإن المسألة لم تعد إظهار رأي وتمرد، بل صار يتشبث عملياً بتسلم الحكم، وحصلت منه حوادث يمكن أن يستنتج منها أنه اتصل بالإنجليز لتنفيذ أفكاره.
فإنه في الثالث من تموز (يوليو) سنة 1918 توفي السلطان محمد رشاد، واعتلى العرش مكانه محمد وحيد الدين باسم محمد الخامس. فرأى مصطفى كمال أن الفرصة قد سنحت له لتسلم الحكم إذ كان قد صحب وحيد الدين إلى ألمانيا، واجتمعوا بهند نبرغ. فقد أرسله أنور مع وحيد الدين - وكان لا يزال ولياً للعهد - ليرى بنفسه قوة ألمانيا، فلعله يقنع بترك آرائه.