تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد يشتبه على البعض الفرق بين عمل يحتاج موضوعه إلى تفهم وإمعان نظر وبين العمل الذي لا يحتاج إلى ذلك، غير أنه إذا دقق في دليل كل من العملين يتبين الفرق بوضوح. فالرسول في موقعة بدر أجاب الحباب بقوله: «بل هو الرأي والحرب والمكيدة» وهو يعني أن النزول في المكان من الأمور التي يرجع فيها إلى أصحاب الآراء، ومن شؤون الحرب التي تحتاج إلى تفكير وبحث، ومن المكائد التي تنصب للعدو وتحتاج إلى تبصر في نصب المكائد. أما في موقعة أحد فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال للمسلمين: «فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا فإن أقاموا أقاموا بشر مقام وإن هم دخلوها علينا قاتلناهم فيها»، فقال رجال من المسلمين: «يا رسول الله أخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنّا جَبنّا وضَعُفْنا»، فقال عبد الله بن أبي بن سلول: «يا رسول الله، أقم بالمدينة لا تخرج إليهم، فوا لله ما خرجنا منها إلى عدو لنا قط إلا أصاب منا ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فدعهم يا رسول الله، فإن أقاموا بشر محبس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين»، فكان البحث هو الخروج وعدم الخروج، ولم يكن البحث في مكان المعركة، بمعنى هل يتحصنون بالمدينة ويحاربون منها أم يتحصنون بجبل أحد، بل كان البحث في هذا العدو القادم هل نخرج لملاقاته والدخول معه في حرب أم نبقى مكاننا إن حاربنا حاربناه وإن لم يحاربنا تركناه. ولذلك هناك فرق بين واقع الحادثتين وبين تصرف الرسول في كل منهما. ومن هذا الفرق بينهما يظهر الفرق بين العمل الذي رجع فيه إلى الصواب وبين العمل الذي نزل فيه عند رأي الأكثرية. أي بين العمل الذي يحتاج موضوعه إلى تفهم وإمعان نظر والعمل الذي لا يحتاج إلى تفهم وإمعان نظر. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن العمل الذي له موضوع ذو خطر، وله قدر، ويحتاج فهمه إلى بذل جهد هو من حيث واقعه غير العمل الذي

كيف هدمت الخلافة · الصفحة ٦٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

كيف هدمت الخلافةص ٦٦