سابعاً: ليس المباح هو ما لا حرج فيه، فإن انتفاء الحرج عن الفعل والترك ليس بإباحة شرعية، ولا يلزم من رفع الحرج التخيير، فإن النهي عن الشيء، ليس أمراً بضده، كما أن الأمر بالشيء ليس نهياً عن ضده. ورفع الحرج قد يكون مع الواجب كقوله تعالى: ﴿ فمن حجَّ البيتَ أو اعتَمَر فلا جُناحَ عليه أن يَطَّوف بهما ﴾ ، فإن الطواف بالحج والعمرة واجب وليس مباحاً. ورفع الحرج قد يكون رخصة كقوله تعالى: ﴿ فليسَ عليكُم جُناحٌ أن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاة ﴾ فليس معنى رفع الحرج هو الإباحة. وعلى ذلك ليس المباح هو ما لا حرج فيه، وإنما المباح هو ما دل الدليل السمعي من خطاب الشارع على التخيير فيه بين الفعل والترك من غير بدل. فالإباحة هي ما جاء الشرع بالتخيير بين فعلها وتركها: بأن كان التخيير مصرحاً في النص نفسه كقوله تعالى: ﴿ نساؤكم حَرْثٌ لكم فأْتُوا حَرْثَكم أَنَّى شئْتُم ﴾ وكقوله تعالى: ﴿ وكُلا منها رَغَدَاً حيثُ شِئْتُما ﴾ أو كأن يفهم مدلول النص كقوله تعالى: ﴿ وإذا حَلَلْتُم فاصطادوا ﴾ وقوله: ﴿ فإذا قُضِيَت الصلاةُ فانتشروا ﴾ وقوله: ﴿ كُلُوا من طَيِّبات ما رزقناكم ﴾ .
ثم إن الإباحة من الأحكام الشرعية، والحكم الشرعي هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد، فلا بد من دليل شرعي من الأدلة السمعية يدل على الشيء بأنه مباح حتى يكون مباحاً. وعليه فإن عدم ورود دليل شرعي على الشيء بأنه واجب أو مندوب أو حرام أو مكروه ليس دليلاً على أنه مباح، بل لا بد من دليل شرعي يدل على إباحته.