ومما نص عليه هذا الدستور إطلاق لفظ العثمانيين على جميع رعايا الدولة، والاعتراف بحريتهم الشخصية. وبدلاً من أن يكون الإسلام هو دستور الدولة كما كان الحال من قبل هذا الدستور، نصّ الدستور على اعتبار الإسلام دين الدولة، أي تكون أعياد الدولة والأمور المتعلقة بمثل ذلك مراعى فيها الإسلام. ونص الدستور أيضاً على إقامة التمثيل الشعبي من طريق مجلسين: أحدهما للنواب، وكان يسمى مجلس المبعوثان. والآخر للشيوخ، المعروف بمجلس الأعيان، على أن يتمتع أعضاؤهما بحصانة نيابية، أي لا يخضعون لقوانين الدولة ولا للأحكام الشرعية حتى ترفع الحصانة عنهم، وأن يجتمع المجلسان في غرة تشرين الثاني من كل سنة، وأن يُفَتَتحا بخطاب عرش، وأن توضع القوانين التي يقترحها المجلسان معاً موضع التنفيذ بعد أن يُقرّها كل منهما ويوافق عليها السلطان، أي أن التشريع يشرعه المجلسان، وأن يُناط وضع الميزانية بمجلس النواب، وأن تنشأ محكمة عليا مؤلفة من عشرة أعضاء في مجلس الأعيان، وعشرة مستشاري دولة وعشرة مستشارين في محكمة الاستئناف، وأن يقوم الحكم في الولايات على أساس اللامركزية.
وقوف عبد الحميد في وجه دستور مدحت
ولما كان هذا الدستور نظاماً ديمقراطياً، أي أحكام كفر، وهو كنظام ديمقراطي يناقض الإسلام، وهذه الأحكام نفسها تناقض الإسلام، وإذا طبقت فإن تطبيقها يعني إلغاء نظام الخلافة، وإقامة دولة كأي دولة أوروبية، كبلجيكا مثلاً التي استُوحي الدستور من دستورها. لذلك لم ينفذه الباب العالي، ووقف في وجهه عبد الحميد والعلماء وكبار المسلمين، وصار الباب العالي يتهرب من تنفيذ الدستور، ومن تنفيذ مطالب الدول الكبرى.