إثارة الفتن بين أهالي بلاد الشام
وحين انسحب إبراهيم باشا سنة 1840 م من بلاد الشام انتشر القلق والفوضى والاضطراب فيها، واغتنم الموفدون الأجانب لا سيّما رجال البعثات التبشيرية ضعف نفوذ الدولة العثمانية فأخذوا يشعلون نار الفتنة بين الأهْلِين، حتى وقعت مذابح سنة 1860 وعلى أثر هذه المذابح تدخّلت الدول الغربية، فأرسلت بوارجها الحربية إلى سواحل بلاد الشام، وأَنزلت فرنسا حملة برية في بيروت. وبذلك قوِيَ نفوذ المبشرين، واشتدَّ ساعدهم، فنشطوا في فتح المدارس والكليات. ففتح اليسوعيون مدارس لهم وكلّيات، ففُتحت الكلية اليسوعية المعروفة بجامعة القديس يوسف اليسوعية، وفتح الأمريكان الكلية البروتستانتية سنة 1866 المعروفة اليوم بالجامعة الأمريكية في بيروت، والتي تعتبر أَفظع مؤسسة كفر في بلاد الإسلام. فقد قامت بأَشدّ الحملات ضد أفكار الإسلام، وضد المسلمين. وحوَّلَت الآلاف من أبناء المسلمين إلى جانب أفكار الكفر.
ولم يقتصر أمر الاهتمام بالغزو التبشيري والغزو الثقافي على أمريكا وفرنسا وإنجلترا بل شمل أكثر الدول الكافرة ومنها روسيا القيصرية. فقد أرسلت بعثات تبشيرية، كما أمّت البلاد بعثة بروسية (ألمانية) مؤلفة من راهبات كارودت، ساهمت مع البعثات التبشيرية الأخرى في القيام بدورها في محاربة الإسلام. وبالرغم من تباين وجهات النظر السياسية بين البعثات التبشيرية، وتباينها كذلك بين الموفدين الغربيين بالنسبة لمنهجهم السياسي باعتبار مصالحهم الدولية، فقد كانت متفقة في الغاية، وهي بعث الثقافة الغربية في الشرق، وجعل عقيدة فصل الدين عن الدولة عقيدة للمسلمين، وتشكيك المسلمين في دينهم، وحملهم على الامتعاض منه، وعلى احتقار تاريخهم. وتمجيد الغرب وحضارته. كل ذلك مع بغض شديد للإسلام والمسلمين، واحتقار لهم.