ولم يكن المسلمون بحاجة إلى تفكر وتأمل زائدين حتى يدركوا أن قضيتهم هي قضية مصيرية. فقد كان واضحاً منذ اللحظة الأولى، كما هو واضح اليوم لكل ذي عينين، أنه يستحيل على الكفار عادة وعقلاً أن يمكنوا الإسلام من العودة إلى الحياة السياسية - أي إلى الحكم - ما كان في أيديهم ذرة من قدرة على البطش بمن هم لهذا عاملون. وشأن المرتدين والمنافقين في هذه القضية ليس بأقل بطشاً وإجراماً. فهم سيلقون بكل ما تطاله أيديهم من قوة في ساحة المعركة ليقفوا حرباً على المؤمنين الذين يريدون أن ينتزعوا منهم الحكم انتزاعاً ليقيموا أحكام الله، وليصونوا حرمات الله بحدود الله.
وعليه فإنه يستحيل على أية محاولة يقوم بها المسلمون في سبيل هذه القضية أن تثمر ما لم يعتبروا القضية قضية مصيرية، إجراء الحياة أو الموت عليه مرهون تحققها. والمسلمون لما لم يعوا طبيعة المعركة، ولما لم يدركوا حقيقة حكم الله فيها، راحوا ينشدون تحرير أنفسهم بطريقة ليست على مستوى القضايا المصيرية، بل هي على مستوى القضايا العادية. فكانت إجراءاتهم في ذلك دون إجراءات الحياة أو الموت. مع أن الحقيقة أن القضايا التي طبيعتها مصيرية كإزالة نظام الكفر وإقامة نظام الإسلام، سواء أدركت على هذا الأساس أم لم تدرك، يستحيل أن يصل أحد إلى تحقيقها مهما كانت قوته، ومهما بذل من جهود، إلا إذا اعتبرها في سيره، وتصوره، واتخذ تجاهها الإجراء الذي تحتمه طبيعتها، وهو إجراء الحياة أو الموت. ومن هنا كان لا بد أن يصارح المسلمون أفراداً وجماعات، بأنه لا مناص لهم من أن يجعلوا أعمالهم في كفاح الكفر على أساس إجراء الحياة أو الموت، لأن طبيعة قضيتهم يحتم هذا الإجراء، ولأن الشرع في الكتاب والسنة قد جاء بهذا الإجراء.