والمفروض في المسلمين أن لا يسكتوا عن الحكم بغير ما أنزل الله لأنه قضية مصيرية، ولكن لما ضعفت التقوى في نفوس المسلمين، وضعف فهمهم للإسلام هان عليهم أن يسكتوا على الخلفاء والحكام إذا حكموا بالكفر في مسألة واحدة، ثم لما تزايد فيهم الضعف هان عليهم أن يسكتوا عن الحكام إذا حكموا بالكفر في عدد من المسائل. فكانت عاقبة هذا السكوت في المدى البعيد أن تجاسر الحكام على تطبيق أحكام الكفر بشكل ظاهر. فقد سكت المسلمون في مصر حين طبق الحاكم القانون المدني الفرنسي سنة 1883م وأزال أحكام الشرع، ثم سكت المسلمون في الدولة الإسلامية حين وضعت أحكام الكفر دستوراً للمسلمين سنة 1909، مع أنهم ثاروا عليها أولاً ثم سكتوا عنها. ولهذا لم يكن غريباً أن يأتي مصطفى كمال فيهدم الخلافة، ويهدم جميع أحكام الإسلام، ويعلن حكم الكفر. لأن هذه القضية نزلت عند المسلمين عن مرتبة القضية المصيرية، فكان ما كان، وصار هيناً على المسلمين أن يظهر فيهم الكفر البواح ولا يحملون السيف لإزالته، بل صار هيناً عليهم أن يحكم بنظام الكفر ولا ينكرونه، بل إن جمهرتهم قد استساغت أحكام الكفر وتعودت عليها، وتركت حكم الإسلام اختياراً. فوصل الحال إلى حد الرضا به، وطلبه، فضلاً عن السكوت عليه، أو عدم حمل السيف ضده. وما ذلك إلا لعدم اعتبار قضية الحكم بنظام الكفر قضية مصيرية، ولعدم جعل الإجراء تجاهها إجراء حياة أو موت. ولهذا لا بد من الرجوع بهذه القضية إلى مكانها واعتبارها قضية مصيرية، فيمنع الحكم بنظام الكفر ولو أدى إلى القتال سنوات، بل لو أدى إلى قتل الملايين من المسلمين، وإلى استشهاد الملايين من المؤمنين.
كيف هدمت الخلافة · الصفحة ١٩٥
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
كيف هدمت الخلافةص ١٩٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي