إن كل أمة في الدنيا وكل شعب على وجه الأرض تحتم عليه غريزة البقاء أن تكون له قضايا مصيرية، يبذل عندها دمه عن رضا وفي منتهى الحماسة، دون أدنى تردد ومن غير جدل ولا نقاش. وهذه القضايا هي القضايا المتعلقة بإزهاق الروح والمحافظة عليها، أو بإزالة شعب من الوجود والمحافظة على بقائه، وهي واحدة أو تكاد تكون واحدة عند الناس جميعاً، والإجراءات المتخذة فيها كذلك واحدة عند الناس جميعاً، أو متقاربة جداً. لأنها تهديد للحياة بشكل محسوس. فكان الإجراء واحداً، كما أن القضايا واحدة. إلا أن هذه القضايا المتعلقة بغريزة البقاء ليست هي جميع القضايا المصيرية، ولا القضايا المصيرية هي فقط المتعلقة بغريزة البقاء، بل هناك قضايا مصيرية أخرى متعلقة بغريزة التدين، أو بغريزة النوع. غير أن هذه القضايا اختلف الناس فيها حسب اختلاف وجهة نظرهم في الحياة، واختلفوا في الإجراء الذي يتخذ إزاءها. لأن الذي يجعلها مصيرية هو وجهة النظر المعينة، ولذلك تختلف ويختلف الإجراء. ومن هنا تباينت القضايا المصيرية عند الشعوب والأمم تبعاً لهذا الاختلاف في وجهة النظر في الحياة. والمسلمون أمة لهم قضايا مصيرية، ما في ذلك من شك، وقضاياها المصيرية كلها سواء المتعلقة بغريزة البقاء أم غريزة النوع أم غريزة التدين يجب أن تكون حسب وجهة نظرهم في الحياة. ووجهة نظرهم في الحياة إنما يعينها الإسلام وحده، ولذلك كان الإسلام هو الذي يعين القضايا المصيرية ويعين الإجراء.
وقد جاء الإسلام وبين للناس القضايا المصيرية، وجعل اتخاذ إجراءات الحياة أو الموت تجاهها فرضاً لازماً. ولهذا فلا خيار للمسلمين في تحديد قضاياهم المصيرية. فما اعتبره الإسلام قضية مصيرية يجب أن يكون عند المسلمين كذلك. وإجراء الحياة أو الموت إزاء مثل هذه القضايا لا خيار لهم فيه كذلك، لأن الإسلام حين حدد القضايا المصيرية حدد ما يجب على المسلمين تجاهها من إجراء.