ثم اجتمع المجلس القومي، وبحث النواب الموضوع، فأنصار مصطفى كمال كانوا يقولون: ماذا فعلت حكومة العاصمة من أجل إنقاذ تركيا؟ إن لتركيا حكومة واحدة هي حكومة أنقرة، وأكثرية النواب تقول باستقالة حكومة استانبول، وتأليف مصطفى كمال للحكومة، وأن يكون الخليفة سلطاناً دستورياً.
وفي وسط النقاش العنيف، والجو المكفهر، الذي ساد قاعة المجلس صعد مصطفى كمال إلى المنصة، والتمس من النواب أن يصغوا إليه، ثم اقترح أن يفصل بين السلطنة والخلافة، فتلغى السلطنة ويخلع وحيد الدين. وهنا برز الخطر على الخلافة بروزاً مخيفاً. فازداد الهياج بشكل ضخم. فطالب مصطفى كمال، يؤيده ثمانون من أتباعه الشخصيين بأخذ الرأي على الاقتراح فوراً. ولكن المجلس أحال الاقتراح إلى لجنة الشؤون الخارجية كي تبحثه.
وفي اليوم التالي اجتمعت اللجنة وكانت مؤلفة من عدد من المحامين والعلماء، فقضت ساعات طويلة في بحث مسألة فصل السلطنة عن الخلافة، واستشهد أعضاؤها في بحثهم بنصوص القرآن والسنة، ومئات الأمثلة من تاريخ الخلفاء، سواء في بغداد أو القاهرة. وكانت اللجنة بأجمعها ضد هذا الاقتراح، وأجمعت على رفضه.
وكان مصطفى كمال حاضراً، فحين رأى إجماعهم، وأيقن أن قرار اللجنة هو رفض الاقتراح بالإجماع، قفز غاضباً، واعتلى مقعداً، ثم قطع مناقشات المجتمعين صائحاً: «أيها السادة لقد اغتصب السلطان العثماني السيادة من الشعب بالقوة، وبالقوة اعتزم الشعب أن يستردها منه. إن السلطنة يجب أن تفصل عن الخلافة وتلغى، وسواء وافقتم أم لم توافقوا فسوف يحدث هذا، كل ما في الأمر أن بعض رؤوسكم سوف تسقط في غضون ذلك».
فما كان من اللجنة وقد استولى الرعب على أعضائها، واصطكت ركبهم، إلا أن أحالوا الاقتراح إلى المجلس القومي.