وكان السلطان يقاسي في قصره آلاماً كثيرة، ولا يجد من يسمع منه، وكان الإنجليز يظهرون العطف نحوه، ويحنون عليه، فيمدونه أحياناً بالمال، بعد أن نضبت الخزينة، وبعد أن فرغت جيوبه. فكان يتقاضى هذه الأموال من الإنجليز هبة منهم، أي صدقة منهم عليه. وفي هذه الحال التي وصلت إليها الأمور في تركيا إلى هذا الحد أرسلت الدول المتحالفة إنجلترا وفرنسا وإيطاليا دعوة لحكومة أنقرة، وأخرى لحكومة السلطان في استانبول، لحضور مؤتمر لوزان، لعقد معاهدة الصلح. وذلك بتاريخ 17 تشرين الأول 1922. وقد قوبلت هذه الدعوة لحكومتين في البلاد بالسخط من المجلس الوطني، وبدأت المحاولة المباشرة لإلغاء الخلافة، وبدأ الصراع عليها. وكان المجلس الوطني - وهو مجلس مصطفى كمال - غير راض عن هذه الألاعيب، وهي دعوة حكومتين تركيتين لمؤتمر الصلح، فأراد أن يضع حداً لهذه المأساة، وإراحة البلاد من الحكم الثنائي، وأراد المجلس تصفية الحساب، واقترح بعضهم استقالة حكومة استانبول وتعيين حكومة جديدة يرأسها مصطفى كمال طول حياته.
وبينما كان المجلس الوطني يتناقش في هذا الموضوع كان مصطفى كمال في أزمير، ولكنه كان متتبعاً لأخبار المناقشات الجارية، فأرسل له المجلس مرتين كي يناقشه بصدد مؤتمر الصلح القادم، ولكنه أرسل يعتذر بأنه لن يستطيع الذهاب، لأن واجباته العسكرية تعوقه في أزمير. وعندئذ لحق به رؤوف ولفيف من رجال السياسة، ليستطلعوا رأيه فيما ينبغي أن تكون عليه الحكومة في تركيا الجديدة، فليس معقولاً أن تكون فيها حكومتان: حكومة مؤقتة ذات سلطان مقرها أنقرة، وأخرى رسمية اسمية في العاصمة يرأسها السلطان ومجلس وزرائه، وعرضوا عليه اقتراح أن تندمج الحكومتان في حكومة واحدة، يصبح فيها الخليفة سلطاناً دستورياً، ويصير مصطفى كمال رئيساً للوزارة. فلم يجبهم بشيء، فتوجسوا منه شراً، وظل رؤوف يلح عليه بأسئلته، وأخيراً وعده مصطفى كمال بأن يلقاه في أنقرة.