على فكرة تحرير البلاد:
ولذلك اعتبر مصطفى كمال هو الناجح لأنه استطاع أن يجمع الناس حوله على فكرة يعتقدها الجميع وهي إخراج الحلفاء من البلاد، وتحريرها من كابوس احتلالهم. واستطاع أن يبث فيهم إمكانية مقاومة الاحتلال، والقيام بأعمال ضده. ولذلك صار محل أمل الجماهير، وموضع تقدير ضباط الجيش. وإن كان يداخلهم جميعاً شك في نياته تجاه الخليفة، وهي نيات يعتبرونها ضد مقدساتهم، لأن مركز الخليفة كان من المقدسات. ولذلك كان أمل الناس، أن يتفق مصطفى كمال مع الخليفة ليبقى مركز الخليفة المقدس مصوناً، وليحققوا طرد الأعداء المحتلين، لا سيما وقد لمسوا من منع الإنجليز من احتلال سمسون، ومن محاربة اليونانيين، أنه من الممكن مقاومة المحتلين، فتعلقوا بهذا الأمل ورأوا مصطفى كمال بطله، ولم يروا في الخليفة هذه الإمكانية.
ولذلك اتجهت الأنظار كلها نحو مصطفى كمال، لأن جمهرة الناس لا يدركون الأعمال السياسة ومراميها، لأنها أعمال معقدة، يصعب إدراكها على الرجل العادي، وكذلك على العسكريين من ضباط الجيش إذا لم يزاولوا الأعمال السياسة. ولهذا لم يدركوا هذه الألاعيب الإنجليزية. وهم أيضاً يجهلون العلاقات الدولة، فلا يقدرون حرص الإنجليز على حرمان حلفائهم في الحرب من الغنائم ولو أدى ذلك إلى إعطائها أو إبقائها في يد الدولة المغلوبة حتى يكون التوازن الدولي مرجحاً لكفتهم، وليظلوا الدولة الأولى، ولا يعرفون أن أخذ إيطاليا أو فرنسا أية بقعة في تركيا على شاطئ البحر تهديد للإنجليز في نفوذهم في الشرق، وفي قواهم في البحر الأبيض المتوسط، ولذلك لن يمكنوهم من أخذ شيء. ولا يتبينون أن إنجلترا لا تطرد الإيطاليين والفرنسيين بقوتها، ولا بالأعمال الظاهرة، بل بتحريض غيرها، وبالمناورات والمداورات.