على هذا الوجه بدأ مصطفى كمال في ثورته التي انتهت بإزالة الخلافة وفصل تركيا عن باقي أجزاء الدولة العثمانية، أو على حد تعبيرهم: تحطيم الإمبراطورية العثمانية. ومن هذه الوقائع وحدها يبرز بشكل لا يحتمل اللبس، أن الإنجليز هم الذين هيأوا كل شيء للقيام بهذه الثورة، وهم الذين أرسلوا مصطفى كمال ليقوم بها. فهم الذين ادعوا أن هناك قلاقل في الأقاليم الشرقية، وهم الذين طلبوا إرسال مصطفى كمال بالذات لإخماد هذه القلاقل، وهم الذين هيأوا اليونانيين لاحتلال أزمير برعاية أسطولهم وتحت حمايته، والقيام بتلك الاستفزازات المثيرة، وهم الذين أحضروا مصطفى كمال لأزمير رغم طلب السلطات العثمانية إرجاعه، وأفسحوا له الطريق ليقوم فوراً باستثمار هذه الاستفزازات، للبدء بجمع الناس حوله. فهذه الوقائع تنطق بذلك بأفصح لغة وأوضح بيان، وتضع أصبع كل من يعرفها على هذه الحقيقة القطعية.
دعم إنجلترا ثورة مصطفى كمال
غير أنه بالرغم من ذلك كله لو ترك الإنجليز مصطفى كمال بعد ذلك يتم ما بدأ به من الثورة لما استطاع أن يخطو خطوة واحدة نحو الغاية التي وصل إليها. فإنه إذا كان يمكن أن يوجد في تركيا من يسكت على فصل البلاد الإسلامية الناطقة باللسان العربي عن الدولة العثمانية والاكتفاء بالبلاد التركية، إلا أنه لم يكن هناك مسلم واحد في البلاد التركية يرضى بإلغاء الخلافة، أو يوافق عليه ما عدا مصطفى كمال وبضعة أنفار لا يتجاوز عددهم عدد أصابع اليدين. بل كان الإجماع منعقداً على التمسك بالخلافة. وكان حبها والولاء لها متغلغلاً في أعماق الأعماق، وكانت كلمة «بادشاهٍ تجوك ياشا» حين ينطق بها تهز أوتار قلب كل تركي، وتثير فيه أقوى المشاعر. ولذلك لا يحتمل أن يقدم أي ممثلين للأمة أياً كانوا على أن يقرروا إلغاء الخلافة.