هناك نبوءة أخرى أول سورة الروم، وقصتها غريبة وتستحق التسجيل والتعليق، فإن النزاع بين المملكتين الكبيرتين: الروم التى تعتنق النصرانية، والفرس التى تعتنق المجوسية كان نزاعا حادا دمويا طويل المدى، وشاء الله- في دور من أدوار هذا النزاع- أن ينهزم الروم هزيمة ما عرف مثلها، وكانت أبعاد هذه الهزيمة تمتد إلى المعروف من القارات المعمورة يومئذ، انسحب الروم أمام زحف الفرس وتركوا مصر واليمن وفلسطين والشام وكادت عاصمتهم تسقط، وخسروا خسائر سودت وجوههم، ثم اضطروا إلى أن يوقعوا على صك الهزيمة وهو صك يجعل الروم ملزمين بتقديم أفواج من النساء للجيش المنتصر غير قناطير مقنطرة من الذهب والفضة!!. فكانت نكبة الروم قد سودت وجوه النصارى وأحنت رءوسهم، ويئس الناس من أن تكون للروم دولة أو عودة، لكن صوتا وحيدا غريبا كان ينبعث من مكة وحدها يقول: (غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم * وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون) لم يكن هناك ما يؤيد هذا الصوت من بقية قوة في دولة الروم أو بقية تماسك في شعوب النصرانية، والغريب أن الآية التى قالت: إن الروم سينتصرون حددت أن الانتصار لن يتجاوز بضع سنين، وفعلا وقع ما لم يكن في الحسبان وما لم يحرف في قوانين التاريخ ولا في أحواله، وانتصر الروم على الفرس واستردوا جميع ما خسروا، وكان انتصارهم غريبا معجبا معجزا؟!. كان يجب أن يقابل الصوت الوحيد الذي تنبأ بهذا النصر مقابلة حسنة وأن يعرف لصاحبه أن الله تبارك وتعالى مزق الغيوب عن المستقبل أمام بصيرته وأنزل عليه من الوحى ما جعله ينطق بما لم يعرف في القارات كلها وما لم ينتظره أحد. ص _055
خطب الشيخ محمد الغزالي · الصفحة ٩٧٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
خطب الشيخ محمد الغزاليص ٩٧٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي