تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بلغت بالقوم مبلغا عجيبا فقد قالوا مكابرين رب الكون: (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم). كان الأولى لهم أن يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا ووفقنا لاتباعه، أما يبلغ الكره بقلب إنسان أن يكره الحق، وأن يكره حملته، وأن يكره الحياة به والسير على ضوئه فإن مثل هذا الإنسان ينبغى أن يوارى بجاهليته وعناده في مطاوي القبور، وهذا معنى قوله تعالى : (ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق * ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد). ننظر بعد ذلك إلى الجانب الآخر وهو المجتمع المؤمن، لقد عاش قبل الهجرة وبعدها يحترم دينه ويقدم مطالبه على رغائبه ويحمل في الحياة شارته ويرفع رايته، وكان خصومه يستكثرون عليه حق الحياة كما يريد، بل كانوا يروعونه في الحرم الآمن ويرغمونه على النزوح هنا وهناك!! لقد أنالته الأقدار النصر والتمكين والسيادة، وإلى ذلك أشارت الآية الكريمة: (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون) إذا هؤلاء استحقوا فعلا أن ينصروا لأنهم تحملوا في ذات الله الكثير، ووقفوا إلى جانب نبيهم وهو يطارد ويخوف، ولم ينهزموا بل صمدوا وظلوا على ثباتهم إلى أن انتصروا. وهنا نلحظ أن النصر الذي ساقه الله كان فضلا أعلي، وكان عطية للقدر فيها أكبر الدخل، وليس لعمل الناس فيها إلا الدخل المحدود، هم قاتلوا وثبتوا وبذلوا وجاهدوا وضحوا وتحملوا وهاجروا وتركوا بلادهم وملذاتهم وثرواتهم لله، لكن الله سبحانه وتعالى عندما أراد النصر أدار المعركة وحده: (إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام * إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب

خطب الشيخ محمد الغزالي · الصفحة ٩٦٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

خطب الشيخ محمد الغزاليص ٩٦٨