(إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم). رب العالمين يهلك هؤلاء بجدارة، ويعطي هؤلاء بجدارة. والأقدار التي تنزل بصعود هذا أو هبوط ذاك ليست حركات عابثة، إنها أقدار تزن بدقة هائلة مسالك الأفراد والجماعات!! وينتقل هذا المعنى من ميدان القتال إلى ميدان السجن، فيقول الله للأسرى وهم في قيود الهوان والمسكنة: إنكم وحدكم الذين تصنعون مستقبلكم، إن انتويتم خيرا للناس انفتحت أمامكم مجالات رحبة للحركة والعطاء وإلا فلكم الويل: (يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم * وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم). إن الخونة قد يستطيعون الإساءة إلى غيرهم ردحا من الزمان، وقد يتطاولون في المجتمعات ويحسبون أن الجو قد خلالهم غير أن القضاء الحكيم يتربص بهم إلى حين، ثم يستمكن الوثاق من أعناقهم!!. هذا وصف للفساد وهو يهبط بذويه، وهذا الفساد يشمل الأم، يقول الله في سورة النحل: (وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون). لم هذا العذاب؟. لأنها أُطْعِمَتْ من جوع فما شكرت، وأمِنَتْ من خوف فما شكرت، فإذا تسلط عليها المخاوف والأزمات حتى تعرف قدر النعم التي فقدتها!!. وإنما أهلك الله السلطة التي كانت تحكم في مكة لأن العناد والجهالة ص _046
خطب الشيخ محمد الغزالي · الصفحة ٩٦٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
خطب الشيخ محمد الغزاليص ٩٦٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي