وهذه الآية تشرح المؤامرة التى حيكت خيوطها فى مكة وهم يتحدثون كيف نخلص من محمد؟ فيرى بعضهم أن يسجن، ويرى بعضهم أن يقتل، ويرى بعضهم أن يطرد، إلى آخر ما اختلف القوم فيه. ثم تأتى المناسبة الأخيرة التى ذكرت آياتها فى سورة التوبة، وربما ظن بعض الناس أن هذه الآيات نزلت فى أعقاب الهجرة، لأن الله يقول فيها "إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا " ناس كثيرون ربما ظنوا أن الآية بعد قصة الغار وما وقع فيها، وهذا خطأ، فإن هذه الآية نزلت بعد قصة الغار بتسع سنين!! نزلت فى سورة براءة، ونزلت كما أحكى لكم الآن لسبب، فإن الله يرجع الناس إلى قصة الهجرة ليعتبروا بها ولينتفعوا من أحداثها، وقد حدث بعد تسع سنين من الهجرة أن استدعى ما يقتضى عرض قصة الهجرة والغار والحوار الذى دار بين النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصاحبه، عندما فرض على المسلمين علنا أن يتجمعوا لمقابلة الروم، والروم أو الرومان كما يدرس اسمهم فى التاريخ، كانوا يومئذ الدولة الأولى فى العالم، كانوا أشبه بأمريكا الآن، كانت دولة مرهوبة الجانب، عظيمة السلطان، باطشة بالشمال الأفريقى كله، وبآسيا الصغرى كلها وعندما اشتبك الإسلام معها كانت خارجة من نصر تجرر أذياله فخرا على الدولة الأخرى، دولة فارس، أى أن الأمجاد كلها كانت تكلل هامة الرومان، دولة عظمى ومنتصرة، وفى هذه اللحظات قيل للمسلمين تحركوا إلى دولة الروم لتقاتلوها!! وقع الرعب فى قلوب الناس، وقع التخاذل والقلق، وقال المنافقون انتهى محمد، انتهى دينه، سيشتبك مع الدولة الأولى فى العالم وسيتلاشى!!. وشاء الله أن تنزل الآيات بعد أن تمت المعركة وبعد أن ذهب المسلمون فى ثلاثين ألفا ! ما عرفت جزيرة العرب تعبئة بهذه الضخامة فى أيام مرهقة بحرها وجدبها حتى سميت الغزوة غزوة العسرة ، ونزل القرآن يبكت المنهزمين الضعاف، يبكت الذين خافوا
خطب الشيخ محمد الغزالي · الصفحة ٩١٥
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
خطب الشيخ محمد الغزاليص ٩١٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي