خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب " ص _108
إنه قريب لأن كل آت محقق قريب مهما تطاول الزمن فى انتظاره، فما دام لا بد منه فهو قريب، ومن هنا جاء المثل العربى: " إن غدا لناظره قريب " هذا نوع من الإيمان بالغيب يتصل بالسلوك، فالإيمان برزق الله، والإيمان بنصر الله غيب ينبغى أن يطمئن إليه المحرومون والمحروبون. هناك إيمان بالغيب يتصل بالعقيدة، فإن الله عز وجل إنما يعرف بأوصافه، وأوصافه إنما تعرف بآثارها فيما بيننا، فإن الله ليس مادة تحس بالأيدى، ولكن الذات الأقدس يُعرف بآثاره بيننا، وقد صورت سورة البقرة الغيب من هذه الناحية فيما وقع من حوار بين نبى الله إبراهيم وبين أحد الجبابرة الذى كفر بالله لأنه ملك السلطة الواسعة والسطوة البالغة، وروت السورة القصة " ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين " فإبراهيم عرف ربه بصفاته، نحن الذين نؤمن بالله نعلم أن الله حاضر فى قلوب العارفين، وأن أنوار وجوده تتزاحم بها آفاق السماوات والأرض، ولكن هناك ناسا نُسجت على بصائرهم غشاوات سميكة، وعلى عيونهم حُجب غلاظ، هؤلاء يكفرون بالغيب، ويكفرون بوجود الله، وهؤلاء موجودون فى كل زمان ومكان، ولكن لا وزن لهم فى منطق العقل ولا فى منطق العلم. هذه كلمة الإيمان بالغيب، معناها يترقرق داخل صفحات السورة فى أماكن كثيرة شرحنا نماذج لها. بعد الإيمان بالغيب " ويقيمون الصلاة " . جاء ذكر الصلاة مرات فى هذه السورة، مرة فى أنها تعين على الخشية والتحمل: " يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين " ص _109