إن الله يأمر بالصدقة، والصدقة تجعل الإنسان ينزل عن المال الذى يملكه، والمال حبيب إلى الإنسان، عزيز عليه، فإذا قيل له: أنفق فى سبيل الله وسيخلف الله عليك فى المستقبل، فإن نفسه سوف تحدثه: لم أفقد ما بيدى اليوم فى انتظار ما قد يجىء خلفا فى الغد؟ فإذا قال الإنسان لنفسه: إن الله وعد وينبغى أن أثق فى أنه سبحانه سيخلف. ربما حدثته نفسه: عصفور فى اليد خير من عشرة على الشجرة!! هنا يتدخل الإيمان بالغيب فى النفقة أو فى الصدقة فيجعل الإنسان - لصدق إيمانه بربه وبوعده - يعطى ما بيده - الآن - موقنا بأن ما غاب لا بد أن يتحقق، وأن الخلف الذى لا وجود له - الآن - هو موجود حتما، وسوف يجىء، وهو معنى قوله تعالى: "الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم " . هذا إيمان بالغيب يتصل بالسلوك، هناك أيضا إيمان بالغيب يتصل بالسلوك فى الجهاد أو فى الكفاح أساسه أن أصحاب الدعوات - غالبا - يبدأون سلوكهم أو سيرتهم أو دعايتهم فى وجه جبابرة يفرضون سلطانهم ويقذفون بالرهبة فى قلوب غيرهم، وعندما يتحرك أصحاب الحق وهم ضعاف فإن وساوس الشيطان ستتجه إليهم: ما الذى يجعلكم تناوشون الأقوياء وتتعرضون لبطشهم؟ وما الذى جعلكم تفقدون طمأنينتكم - الآن - فى انتظار نصر يعدكم الله به فى المستقبل، والمستقبل غيب لا ندرى متى يجىء أو متى يتحقق؟ هذا المعنى شرح فى سورة هود فى قوله تعالى - وهو يجعل الداعين إليه والمتحدثين باسمه يرقبون المستقبل بأمل وتفاءول : " وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون * وانتظروا إنا منتظرون * ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون " . هذا الغيب إلى أن يجىء ربما تعرض حملة الحق لمتاعب فى أموالهم أو أجسادهم أو أعراضهم أو حقوقهم، لكن تجىء سورة البقرة فتقول: ليكن " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين
خطب الشيخ محمد الغزالي · الصفحة ٨١١
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
خطب الشيخ محمد الغزاليص ٨١١
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي