وعندما يقيم الإسلام دولته فهو يقيم حدودا، ويضع قواعد، وبالتالى فإن الارتداد لن يكون حركة قلب زائغ، ولو اكتفى بهذا فإن الله يعلمه، وهو الذى يتولاه، ولكن الارتداد هنا سيكون محاولة لقلب نظام الدولة وهدم تعالميها، وهو ما يرفضه الإسلام، وبالتالى فإن الإسلام جعل الارتداد يعاقب بالقتل. الارتداد جريمة تسمى في العصر الحديث الخيانة العظمى، هل تسمح دولة من الدول أن تبيح لفرد من أفرادها تسليم أسرارها لأعدائها؟ هل تسمح دولة من الدول لواحد منها أن يعين أعداءها عليها أو ينقض نظامها؟ هذا ما لا يمكن، وذاك السر فى أن الإسلام رفض الارتداد. الارتداد عُرف فرديا، ولكنه فى العالم العربى والإسلامى الآن يشكل تيارات جماعية!! كيف؟ إن الاستعمار العالمى عندما هجم على البلاد الإسلامية منذ قرون ـ أيا كان مصدره شرقيا كان أو غربيا ـ استهدف أن يقضى على الإسلام، والقضاء على الإسلام لا يلجأ إليه أصحابه بوسائل صبيانية أو طفولية، لا، إنهم لن يقولوا للناس: كفرنا بالله لأننا لم نجده، لن يقولوا للناس: كفرنا بمحمد لأنه بدا لنا أنه كذاب، لن يقولوا للناس: تركنا الإسلام لأنه رجعية.. إن هذه المشاقة الصريحة تكشف جانبهم، وتعرى نياتهم، وتعرضهم للفشل، ولكنهم يريدون أن يكفروا الناس بالله وبنبيه وبتعاليم الإسلام بأساليب ملتوية وبطرق مختلفة. عندما دخل الاستعمار العالم الإسلامى استمات فى أن يلغى فى العالم الإسلامى شرائعه التى يقوم عليها، وأن يبيح فيه الخمر والخنا، وذلك حتى ينشر فى كيان الأمم الإسلامية جراثيم العفن والضياع، وقد فعل ووصل فى أغلب البقاع إلى ما يريد، لولا المقاومة الباسلة التى تبديها جماهير المؤمنين فى أرجاء العالم الإسلامى، أولئك الذين أبوا أن يحنوا رؤوسهم للضلال، ورفضوا أن ينقادوا للتيار الآثم الفاسق الذى يتمرد على كتاب الله وسنة ص _047
خطب الشيخ محمد الغزالي · الصفحة ٧٥٣
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
خطب الشيخ محمد الغزاليص ٧٥٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي