تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم). والكلام عن معركة "أحد" يحتاج إلى شىء من التوضيح والتفصيل، فإن الهزائم لا تستوى، هناك هزائم تقع لأصحابها بعد أن أعدوا الخطة للمعركة، وبعد أن بذلوا الجهد فى بلوغ النصر الذى يحرصون عليه، ولكن عدوهم انتزع النصر منهم لأنه أكثر عددا، أو لأنه أشد سلاحا، أو لأنه أحكم خططا، أو لأسباب أخرى قضت بها حكمة الله جل شأنه. والمعارك من هذا النوع التى تصاب الأمم فيها بهزائم هى معارك تعتبر الهزائم فيها عوارض مؤقتة، فقد انهزم " الألمان " فى المعركة الأخيرة لهم فى الحروب العالمية الثانية، ولكن الهزيمة التى أدركتهم لم تنل من عبقريتهم العسكرية ولا الصناعية، وإنما عرضت لهم الهزيمة لظروف فوق الطاقة، وسرعان ما تغلبوا عليها، ولم تمض سنون حتى تجاوزوا الهزيمة، ورجعوا إلى مصاف الدول العظمى، وكذلك " اليابان ".. والهزيمة التى وقعت فى " أحد " من هذا القبيل. هناك لقاء بين العمالقة، ربما قرأ القارئون أنباء الملاكمات والمصارعات التى تقع فى حلائب الرياضية ان ناس بلغوا ممنتهى القوة، فما يهزم أحدهم الآخر إلا بعد عناء وجهد. هذا نوع من الهزيمة-كما قلنا- يستطع المهزوم فى عواقبه أن ينهض على عجل، وأن يداوى جراحاته برجولة، وأن يستأنف السير فى الدنيا بقدرة، لأن كيانه صلب، ولأن ما وقع له عارض مؤقت. وليست كذلك الهزائم التى أصابت المسلمين فى أيام أخرى من تاريخهم، انهزم المسلمون فى " الأندلس " وخرجوا تاركين هذا الفردوس المفقود، وبكى القائد الخارج لما وجد أن ماضيا عريقا قد ضاع، وأن ملكا ضخما قد تلاشى، فقالت أمه: ابك مثل النساء ملكا تولى لم تحافظ عليه مثل الرجال وكانت هزيمة المسلمين فى " بغداد " التى أدخلت " التتار " ص _205

خطب الشيخ محمد الغزالي · الصفحة ٦٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

خطب الشيخ محمد الغزاليص ٦٧٨