كان المسلمون يواجهون هذه القوى المعتدية الباغية التى انتشرت على جبهات عريضة تريد أن تنال من الإسلام، وأن تضع العقبات فى طريقه، بل تريد أن تجتث جذوره، وأن تطفىء نوره... فكانت العلاقة بين أول السورة وآخرها هى أن المسلمين ينبغى أن يواجهوا تلك القوى كلها فى لحظات واحدة، ومفتاح هذا من قوله تعالى: (لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور). كان الأمر بالنسبة لأهل الكتاب أمر مناقشات عقلية كان للإسلام فيها الفوز وله الغلب، لأن ديننا يعتمد فى حواره على المنطق السديد، والفكر الناضج، والعلم الصادق، وما يبارى فى هذه المجالات جمعاء، إلا أنه فيما يتصل بأهل الكتاب فقد أمرنا الله أن نعامل أهل الكتاب معاملة معتدلة، وألا نجادلهم فى شئون الدين إلا إذا بدأوا ذلك فليكن جدالنا لهم حسنا ، وقد زاد النبى صلى الله عليه وسلم إلى هذا أنه أوصى المسلمين ألا يفضلوه على موسى أو عيسى أو أحد من الأنبياء السابقين، ومع أنه- يقينا- أعلى الرسل قدرا- لأنه أوسعهم رسالة، ولأنه أعلاهم درجة- إلا أنه أبى أن يذكر بهذا الفضل، وقال: " لا ينبغى لعبد أن يقول أنا خير من يونس ابن متى " ويونس هو النبى الذى ترك بلده ضائقا بمواقف الكفار فيها، سأمان من المواقف الرديئة التى شعر بها، فكان أن التقمه الحوت وهو مول عن بلده ما يؤدى واجبه، قال تعالى لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم: (فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم * لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم * فاجتباه ربه فجعله من الصالحين) . ص _190
خطب الشيخ محمد الغزالي · الصفحة ٦٦٣
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
خطب الشيخ محمد الغزاليص ٦٦٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي