هذه هى رحلة الحج، أو حكمة الحج، وما من أمة من الأمم حتى الأمم المادية التى تعبد التراب، ولا ترى وجودا لغير المادة، حتى هذه الأمم تحاول أن تستثير مشاعر المؤمنين بها، فهى تقيم " ضرائح " لطواغيتها، وتكلف الزوار الذين يجيئون إلى عواصمهم أن يترددوا على مقابر أولئك الطواغيت صفوفا منتظمة كى يؤدوا واجبا لميت يعلم الله أنه حطب لجهنم، وأنه كلب من كلاب النار، ومع ذلك فإن سدنة هؤلاء الطواغيت يريدون أن يربطوا الجماهير والأجيال الناشئة بمبادئهم وبأحزابهم، فهم يجلبونهم ليزوروا هذه الضرائح، وليتصلوا بها، ولترتبط علاقات نفسية مع أصحاب المبادئ الذين عاشوا بها، أو قدموها لغيرهم، هذا المعنى إلى جانب الأعياد التى تصنع مرتبطة بمعافى المبدأ المادى وما إلى ذلك وتسمى ذكريات وأعيادا، هذه كلها إنما شرعت فى الفلسفات المادية، والبلاد المادية، كى تجعل الجماهير تثوب إلى شاخص حسى يحول الاتصال بالمبدأ إلى تكريم له، وإلى هتاف له، وما إلى ذلك مما يراد غرسه في النفوس. والله عز وجل أراد أن يجعل المؤمنين- على اختلاف الزمان والمكان - يرتبطون بالدين الذى اعتنقوه- وهو دين التوحيد- ويريد أن يكلف القادرين منهم على أن يجيئوا للأماكن التى بدأت فيها معالم دينه تظهر كى يرتبطوا نفسيا بها. ولنأخذ المعانى معنى معنى. إن الرسالة الإسلامية، وإن بعثة محمد- عليه الصلاة والسلام- كانت استجابة لدعوة جده إبراهيم وابنه إسماعيل- عليهما الصلاة والسلام - وهما يرفعان القواعد من البيت... فإذا كانت رسالة نبينا صلى الله عليه وسلم وإذا كانت دعائم تاريخنا مرتبطة ببناء بيت ص _119
خطب الشيخ محمد الغزالي · الصفحة ٥٩٣
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
خطب الشيخ محمد الغزاليص ٥٩٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي