الحج- أساسا- سفر صالح، ورحلة إلى الأماكن التى درج فيها الأنبياء، وانبعث منها الوحى، وكانت مشرقا للإسلام، ومجتمعا أول للسلف الصالحين. والمقصود من هذه الرحلة أمور عقلية وعاطفية معا، فإن الإنسان لا يعيش بالفكر النظرى وحده، ولكن مشاعره وعواطفه شديدة السيطرة عليه... والإسلام يجتهد فى تحويل الإيمان من صورة عقلية تسكن الرأس إلى معان عاطفية تغمر القلب، وتتشبث بالفؤاد، وينفعل الانسان بها، ويحيا طول عمره وفقها. معنى صيرورة الفكر العقلى إلى عاطفة حارة هو ما يقول الله جل شأنه فيه: ( ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون) قد ترى عقلا أن الله موجود، ولكن هذه الرؤية العقلية لا تكمل إلا إذا تبعتها مشاعر عاطفية تسكن قلبك، وتجعلك تتجه إلى الله بقلب يحس عظمته، ويكرم نعمته. قد ترى عقلا أن الكذب رذيلة، أن الشرك فضيحة، ولكن تحول هذا النظر العقلى إلى إحساس نفسى يجعلك تشمئز من الشرك والرذيلة كما تشمئز من الرائحة الكريهة ومن المنظر الرديء فإن كرهك للشر قد انتقل من معنى نظرى إلى حقيقة عاطفية. والإسلام عندما شرع مناسك الحج أراد أن يحول- فعلا- الإيمان من معان نظرية درست فى الكتب، وتلقاها الناس حقائق مقررة إلى معان عاطفية تربط الإنسان بنشأة الإسلام ونشأة المكافحين من أجل ظهوره.، تجعل الإنسان يرتبط بالمواطن الأولى للوحى، وبسير الدعاة والرعاة الذين حملوا هذه الأمانات، وعاشوا بها، وعاشوا من أجلها، حتى قدموها للناس ناضجة مستوية. ص _118
خطب الشيخ محمد الغزالي · الصفحة ٥٩٢
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
خطب الشيخ محمد الغزاليص ٥٩٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي