تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحضارة موضع التقدير، بل أكد العلماء أن النهضة الأوربية ما كانت لتتم لولا ظهور الإسلام وقيام جامعاته الكبرى.. هذا من الناحية العلمية، أما من الناحية الخلقية فإن المروءة والأدب والسماحة ورحمة الصغار وتوقير الكبار وإسداء العون للضعاف وتحسين الحسن وتقبيح القبيح واحترام التقوى، كل هذه المآثر كانت تنضح من مجتمع يبدأ مع الفجر يصلى لله ولا يأوى إلى فراشه إلا بعد أن يصلى لله، فكان المجتمع المشغول بطاعة الله وتطهير البدن والروح، كان هذا المجتمع يقدم للناس فى المشارق والمغارب نماذج من الخلق العالى، هذه النماذج هى التى فتحت الأقطار للإسلام، خصوصا التواصى بالمرحمة، فإن المسلمين كانوا يزكون ويتصدقون، وأيديهم كانت العليا، ما تدع ثغرة للبأساء والضراء إلا سدتها، ولا حاجة من حاجات البشر يبدو فيها الفقر إلا بدا فيها العون الإسلامى.. وكان المسلمون يومئذ طول ألف سنة تقريبا سادة العالم، فقدموا للناس مع العلم النضير الخلق الزكى والأدب العالى، كان المسلمون كما قلت طليعة تقدمية فى كل مجال، والذي أفاء عليهم هذا الفضل هو الإسلام. ثم بدأ المسلمون ينحدرون ويبتعدون عن دينهم وتهتز ثقتهم فى وحيهم وتضطرب خطاهم بعيدا عن توجيهات الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فأصابهم ما أصابهم، وبعد أن كانوا أمة طليعة فى العالم أصبحوا أمة متخلفة ينظر إليها الآخرون بازدراء. عندما حدثت قصة " المفاعل الذرى " فى العراق بدأت أفكر طويلا فى هذا الموضوع، قلت فى نفسى: المفاعل من صنع العقل الفرنسى المتقدم فى فهم الكون وتطبيق أسرار المادة على مرافق الخلق، ما الذى جعلنا نتحول إلى تلامذة لغيرنا فى هذا المجال؟ تأخرنا، تأخرنا، ثم بالمال الذى داوى جراحاتنا أمكن استقدام هذا المفاعل وهو فرنسى الصنع، ما بقى بعد ذلك إلا أن يحمى، إلا أن يحرسه من اشتروه، ثم قرأت أن الذين أغاروا عليه كأنما كانوا يغيرون على مدينة مفتوحة الدفاع أبله، القذائف

خطب الشيخ محمد الغزالي · الصفحة ٤٤١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

خطب الشيخ محمد الغزاليص ٤٤١