الناس، فهم أمناؤه على وحيه وأساتذته بين خلقه، وهم بالمصحف الشريف الذى اختصوا به والرسالة الجليلة التى تبقى إلى آخر الدهر المنار الهادى والشعاع المضيء، بهذا كله يكون للعرب شأنهم وتكون لهم مكانتهم. لكن العرب للأسف خانوا رسالتهم، وفرطوا فى حقها، وظنوا أنهم بالانتماء إلى عمرو بن كلثوم أو حاتم الطائى أو عنترة العبسى ظنوا أنهم بهذا يكونون شيئا مذكورا، وهم بهذا ما يكونون شيئا لا منسيا ولا مذكورا. ما الذى صنعه الإسلام للعرب قديما؟ وما الذى يمكن أن يصنعه العرب للناس الآن؟ الإسلام صنع للعرب قديما الكثير، فقد ارتقى بهم عقليا، وارتقى بهم روحيا، أما الارتقاء العقلى فإن الثقافة القرآنية التى انتشرت مع امتداد الإسلام، وبدأت من صحراء غلبتها الأمية، وتحول أصحابها بهدايات القرآن إلى أرقى من الفلاسفة، وإلى أعظم من القادة والأئمة الذين ملكوا نواصى الثقافة فى كل دين، بهذه الثقافة القرآنية تحول العرب الأميون إلى أساتذة، ونظروا فى كتب الإغريق نظرة الأستاذ إلى كراسات الطلاب ونظروا إلى آداب الفرس نظرة المشرف من أعلى على العامة الذين يموج بهم السفح القريب، وبلغ من عظمة الإسلام كما يؤكد علماء أوربا أن الفرنسيين والإنكليز والإيطاليين كانوا يرسلون أبناءهم إلى جامعات الأندلس، يلتحقون بها، ويأخذون إجازاتهم العلمية منها، وفى القرن الحادى عشر للميلاد تولى بابوية الفاتيكان خريجون من جامعات الأندلس تعلموا الثقافة، واتسعت آفاقهم مع العلم الذى تقدم به الإسلام إلى البشر قاطبة، لأن معنى كلمة مسلم ومعنى كلمة إسلام: نهضة فكرية رائقة شائقة ينظر الناس إليها بإعجاب ويودون أن يغترفوا من منابعها وأن يشرفوا بالانتماء إليها، فكان العلم الإسلامى الذى قدمته هذه ص _209
خطب الشيخ محمد الغزالي · الصفحة ٤٤٠
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
خطب الشيخ محمد الغزاليص ٤٤٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي