وهو موقف المؤمنين.. فإنهم فى أثناء المفاوضات كان عثمان بن عفان رضى الله عنه قد ذهب إلى مكة فى محاولة لإقناع رؤسائها أن يتركوا المسلمين يحجون البيت ـ أى الحجة الصغرى يعنى يعتمرون ـ وعثمان كان رجلا محبوبا إلى الناس، وكان رقيقا نبيل الشمائل، فعرض عليه أهل مكة أن يعتمر هو.. فرفض وقال: لا أعتمر قبل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمسلمين.. ومكثت المفاوضات مدة وانطلقت إشاعة أن عثمان قُتل.. فلما بلغ الأمر المسلمين قرروا أن يقاتلوا حتى الموت.. وبايعهم النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ على هذا.. ونزلت الآية (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما) وذلك لأن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يبايع على منفعة خاصة أو مجد شخصى إنما يبايع كى يُعبد الله فى الأرض عبادة صحيحة.. فإن العبادات المزورة ملأت القارات والكهانة الكاذبة زورت العقائد هنا وهناك.. فكانت البيعة لله.. ولذلك كان الذى يغدر بها أو يخون إنما يغدر برب العالمين ويخونه.. وتكرر الثناء على أهل البيعة وإعلان الرضوان الإلهى عليهم فى قوله جل شأنه (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم) أى ظهر علمه (فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا * ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما). هذه مواقف لطرفين متناقضين.. موقف المنافقين وقد كُشف.. وموقف المؤمنين من أهل الفداء والنجدة والتضحية وقد كُشف.. لكن الأمور تحتاج إلى تفسير.. كيف ينطلق هذا العدد ـ نحو ألف وأربعمائة ـ ليعتمروا فيردوا دون قصدهم بسهولة على هذا النحو؟ أهو ضعف من المؤمنين؟ أهو ضعف من ناصر المؤمنين؟ لا يمكن.. ومسحا ومحقا لهذه الشبهة تكرر فى السورة معنى فى عدة آيات.. هذا المعنى أن قُوى الأرض والسماء بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقول جل شأنه: (هو الذي أنزل السكينة في
خطب الشيخ محمد الغزالي · الصفحة ٤٣٢
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
خطب الشيخ محمد الغزاليص ٤٣٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي