كرمه على سائر الخلق؟ قسم يعرف هذا، ويشكر ولى النعمة رب العالمين الذى سوى وكرم. هذا القسم هو المؤمن، عرف نسبه السماوى، وعرف الفضل الأعلى الذى أسبغ عليه فهو جدير بأن يحترم وأن ينعم فى دار الخلد. وقسم آخر: نسى ربه، نسى من نفخ فيه من روحه، نسى من برأه من عدم، نسى هذا كله، ولذلك يعاتبه ربه ويقول: (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم * الذي خلقك فسواك فعدلك * في أي صورة ما شاء ركبك) . لماذا تنسى؟ إذا كان الإنسان وهو فرد يؤمن ويكفر، أو ينسى ربه أو يذكر، أو يجحد نسبه الأعلى أو يعترف به، فكذلك الحضارات، وأنا آسف إذ أقول: إن العالم الآن تنفرد بزمامه حضارات ذهلت عن ربها، ونسيت حقه فإما أنكرت هذه الحضارات رب العالمين بتة كما تفعل الشيوعية، أو اعترفت به على نحو مضحك كما جاء فى العهد القديم عندما يوصف رب العالمين بأنه أكل من الوليمة التى صنعها إبراهيم عندما ذبح له العجل السمين وقال له: يا رب إن كان عبدك له نعمة عندك فكل من وليمته.. فأكل الله من وليمته ! هذا النوع من تصوير الألوهية رفضه العقل الإنسانى ، فكانت النتيجة أن ناسا إما كفروا صراحة، وإما انتسبوا إلى أديان لم تملأ فراغهم النفسى فعاشوا بأفئدة فارغة، وكملوا هم طريقة معيشتهم واتجاه سلوكهم على ما يشتهون !!. وهذا العالم تنقصه حضارة أخرى.. حضارة تعترف بالروح والجسد.. وتخدم الدنيا والآخرة.. وتحدد حقوق الناس إلى جانب ما لرب العالمين من حقوق.. هذه الحضارة.. هى الحضارة الإسلامية.. وهى حضارة ليس لها الآن من دعاة فى العالم.. وليس لها من كيان أدق محترم.. وليس لها عالم تأرز اليه، وتستجمع فيه وتقدم نماذج من تكوينها المادى ص _193
خطب الشيخ محمد الغزالي · الصفحة ١٧٥
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
خطب الشيخ محمد الغزاليص ١٧٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي