تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين * قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين * قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون) . تكرر هذا المعنى فى القرآن، فهو جل شأنه يتحدث عن الساعة: (يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا * يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا * نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما) . والواقع أن الإنسان يبقى على ظهر الأرض مدة طويلة، الطفل فيها يشب والشاب فيها يشيخ، ومع ذلك فالمرء ينظر إلى عمره الذى خلفه فلا يجد إلا أن هذا الماضى الطويل قد أصبح هذه الكتلة المنكمشة من زمن مبهم لا يدرى أوله ولا آخره، ولكن الإنسان الذى لا يدرى ما كان، يجب أن يعلم أن الله يسجل عليه كل ما كان (إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون) . وقد مرت سنة، ففى مثل هذه الأيام كنا نتهيأ لاستقبال شهر رمضان المبارك والآن نتهيأ لاستقبال شهر آخر حتى نلقى ربنا !. نرجو أن ننتفع من الزمن الذى هو رأس مالنا، هو هبة القدر الأعلى لنا، إنه لا يجامل، إنه إما صديق، وإما عدو، صديق إن انتفعت به، وعدو إن أهملته وأضعته. ورمضان يجىء، ولا نتحدث عنه طويلا، إنما نريد أن نتحدث عن فلسفة الإسلام فى العلاقة بين الروح والجسد، لمناسبة صيام المسلمين فى رمضان، فإن هذا الصيام فى حقيقته ترويض للغرائز البشرية العاتية، فليس هناك أعتى من غريزة البطن التى تطلب الأكل باستمرار!! وليس هناك أعتى من غريزة الجنس التى تريد أن تنفس عن تطلعها باستمرار !!. والبشرية قد تنكب نكبة قاصمة إذا هى لم تحسن تحديد موقفها من كلا الأمرين، والمتأمل فى سير القافلة الإنسانية يجد أن هناك فلسفتين ، ص _189

خطب الشيخ محمد الغزالي · الصفحة ١٧١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

خطب الشيخ محمد الغزاليص ١٧١