القدر لا يكذب: (ومن أصدق من الله حديثا) . إن الله إذا وعد لا يخلف وعده، ولكنه يصل بالامتحان إلى آخر رمق، ويصل بالاختبار إلى نهايته، ثم إن الزمن عنده ليس ماضيا وحاضرا ومستقبل كما نراه نحن البشر، لا، الزمن عنده صفحة مستوية. عندما كانت أم إسماعيل تجرى هنا وهناك تطلب الماء لولدها الذى يكاد يهلك من العطش كان رب العالمين يعلم أن الولد سيكون أمة، سيكون منه شعب، ستكون منه نبوة خاتمة، ستكون منه حضارة تظلل الأرض بأعظم ما ازدانت به الإنسانية من قيم، كان يعلم هذا ولكنه ينزل أقداره بحكمة: (وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم) . ويسوق القرآن الكريم ألوانا من الصراع بين الحق والباطل ينظر الإنسان إليها متأملا. جاء موسى عليه السلام إلى فرعون يقول له: هذه الأرض لا تحتمل فوق ثراها شعبين يأكل أحدهما الآخر، فلنرحك من شعب إسرائيل: (فأرسل معي بني إسرائيل) . حل معقول، لكن الطاغية لا يعرف الحل المعقول، بل تلتوى الأمور فى نفسه، فعندما يرى أن سحره تلاشى يقول: (إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون) . وخرج موسى وقومه، وتبعه فرعون وجنده، هنا يبلغ الامتحان درجة خطيرة، فإن أتباع موسى رأوا أن الجبار الذى استباح دماءهم واستحيا نساءهم، وتجبر فى الأرض على أنقاضهم يوشك أن يضع يده عليهم وأن تعود الأمور سيرتها الأولى فى الذل النازل بهم والهوان الواقع عليهم : ص _181
خطب الشيخ محمد الغزالي · الصفحة ١٦٣
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
خطب الشيخ محمد الغزاليص ١٦٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي