هذا عطاؤه، ومع ذاك بلغ به العطاء أن ينسى حاجات بيته وربما سأل أهله الأدْمَ فقالوا ما عندنا إلا خل فدعا به فجعل يأكل به ويقول: "نعم الأدم الخل، نعم الأدم الخل " . ما السبب في هذه المعيشة؟. السبب أن الأمة الإسلامية كانت تواجه مصاعب هائلة، ففي مكة حُصر المسلمون في شِعْب بنى هاشم نحو ثلاث سنين كانوا يأكلون التراب من الفقر، فكيف يتوسع؟. ثم بعد الهجرة وجدنا المدينة المنورة تتعرض للهجوم والحصار والضوائق، أكان البيت النبوى يستمتع بالخير الكثير والزاد الوفير والناس يجيئون من كل ناحية فإقدين لأموالهم ولأملاكهم؟. كان ـ لابد أن يعيش البيت النبوي عيشة فيها شدة، كان لابد أن يتحمل، لكن النسوة اللاتي تزوجهن ـ وقد جئن من بيوتات كان فيها شيء من الخير والثراء ـ تألمن وضقن، وعلى ما بين الضرائر من خلاف اتفقن جميعا على إعلان رفضهن لهذه المعيشة القاسية. فماذا يفعل الرسول ؟ جاء الوحى الإلهى يقول : ليس إلا هذا، وقل لمن عندك في البيت! هذه معيشة بيت يصدر للناس العفة والقناعة، يصدر للناس السهر في طاعة الله والتهجد وجعل الليل أبيض من طول القراءة والعبادة : (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا * وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما) ص _171
وانتهت الآيات بقول الله لنساء النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا). هذا بدء لتنظيم البيت النبوي ثم اتصل التنظيم بعد ذلك بقضايا كثيرة، ربما طال الوقت قبل أن ننهيها، لعل لها مجالا آخر. أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم. ص _172