مخذول تافه، ثم كان إيمان السحرة بموسى عليه السلام وإيثارهم للآخرة على العاجلة كان ذلك ختما لدعوى المفتون بأنه إله. لكن هذا النصر الذي أحرزه موسى على خصومه لم يدم طويلا حتى بدأت المحنة تنزل بقومه وبدأ سيل جديد من المحن والفتن ينزل ببنى إسرائيل (وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك ) الحاشية الضالة تُغرى فرعون بنبى الله، الحاشية الضالة تملى للرجل المغرور أن يمضى في طريق الفتك والأذى (قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون) ماذا يصنع موسى أمام هذا البلاء؟ لا طاقة له على دفعه ولذلك أخذ يصبرهم على لأواء هذه المتاعب (قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين) ماذا كان جوابهم؟ كان جوابا رديئا، فقد قالوا له: ما استفدنا منك شيئا، بعثتك كانت صفرا، تعبنا قبلها وتعبنا بعدها (قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون) مصاير الشعوب بين يدى الله، مستقبل الدول في أصابع القدر ينصر من يشاء، ويخذل من يشاء، من يدرى؟ قد يهلك عدوكم ثم تتولون الأمور من بعده، ترى هل ستكونون فراعنة مثلهم تذلون الناس، وتنصرون الباطل، وتتبعون الشهوات أم ستكونون قوما صالحين؟ هذا هو معنى كلمة موسى لبنى إسرائيل (عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون). مما يذكر هنا أن صلاح الشعوب جملة أو كون الصلاح ينتظم أكثر الناس لا يتم إلا بعد مراحل طويلة، أما في المرحلة الأولى فالناس خليط وأغلب الناس يتبع ما شاع من تقاليد وما انتشر من بدع وأحكام ولا يعنيه أن يحيا كما ورث الحياة، وأغلت اليهود عندما ظهر موسى كان الذل قد رسم خطوطا عريضة عميقة في أعصابهم، وكما قال أبو الطيب المتنبي : ص _151
خطب الشيخ محمد الغزالي · الصفحة ١٠٦٨
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
خطب الشيخ محمد الغزاليص ١٠٦٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي