المسلمين عموما ما ينفعهم أن تتقاتل الجبهتان فى العالم إذا بقوا هم خونة لرسالتهم أو ضعاف التعلق بها أو قليلي الاستفادة منها، فلو فنيت القوتان المتنازعتان على امتلاك الأرض وبقى المسلمون لا يفهمون من دينهم إلا صورا لا حقيقة لها فإن صراع الأقوياء لا يشرف الضعاف ولا يقدمهم خطوة إلى الأمام، إنك وحدك ـ أيها الضعيف ـ الذى تملك أن تقوى يوم تحسن العمل ويوم تخطو إلى الأمام بقوتك الخاصة، ولعل ذلك ما أشارت إليه الآية الكريمة وهى تعلق على ما كان بين الروم والفرس: (الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم * وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون * يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون * أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون * أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون * ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون). إن حضارات كثيرة حكمت العالم ومدنيات شتى تقلبت على هذه الدنيا، ولكن تاريخ الحضارات المنقرضة أو المزدهرة وهذه الدنيا التى نعيش فى ظلها، كل هذا ينطق بأن ما عدا الله باطل وأن ما عدا الحق سخف (فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون). ولذلك جاءت سورة الروم بعد أن حقرت علم الأقوياء بهذه الدنيا تنبه إلى أن هؤلاء الضعاف فى جزيرة العرب يستطيعون أن يقودوا حضارة جديدة أساسها أن تعرف ربك وَرِفْدَهُ و مجده ثم تكون هذه المعرفة سببا فى أن تسبح بحمده وأن تنوه بمجده. ص _138
خطب الشيخ محمد الغزالي · الصفحة ١٠٥٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
خطب الشيخ محمد الغزاليص ١٠٥٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي