... وهكذا يبدو واضحا أنه في حكم الرومان لفلسطين وبلاد الشام لم تكن أورشليم عاصمة لإسرائيل، فقد كانت إحدى الحواضر العربية الواقعة تحت سيادة الرومان وواضح كذلك أنه لم يكن في أورشليم يهود إطلاقا حتى تكون عاصمة لهم.. إذ كيف يمكننا أن نتصور عاصمة يهودية من غير يهود..
... ومن المهم أن لا ننسى أن الرومان قد حكموا بيت المقدس وبلاد الشام مدة طويلة بلغت 458 عاما وتلك هي عملية حسابية بسيطة يعرفها الطلاب في روضة الأطفال إذا كان يجهلها رئيس وزراء العدو بيجن، ذلك أن حكم الرومان لفلسطين قد بدأ عام 63 ق.م. وامتد إلى عام 395 م وبذلك نصلإلى الرقم الذي أسلفناه 458 عاما..
... وعلى هذا، فإن أورشليم يصح أن تعتبر عاصمة رومانية للرومان لا لليهود إذا كانت السيادة السياسية هي التي تقرر وضع العاصمة لأي بلد في العالم.
... ولا يفوتنا في هذا المجال أن نذكر بأن حكم الرومان في فلسطين "ديار الشام" لم يكن ينفي الوجود العربي في هذه الديار، فقد كان سكان بلاد الشام قبل عصر الإمبراطورية الرومانية يقرب من 5-6 ملايين نسمة. بينهم ما يقرب من مليون في فلسطين، وفي القرن الأول للميلاد كان سكان يافا والجليل والقدس وغور أريحا وبلاد نابلس وعمان خليطا من المصريين والعرب والفينيقيين (1) .
وعلى خلاف اليهود الذين لم يتركوا أثرا يذكر في فلسطين فقد بنى الرومان في فلسطين عديدا من القرى والمدن لا تزال أسماؤها تدل عليها حتى الآن.
ومن هذه المدن والقرى الفلسطينية "ايليا كابيتولينا" (القدس) و "نيابوليس" (نابلس)، وفصايلس" (خربة فصايل) و"يامينا" (يبنا) و "طيباريه" (طبريا) و"اليثروبوليس" (بيت جبرين) و"ديو سبوليس" (اللد)، و"صفوريس" (صفورية) و "قصيرية" (قيسارية) و"عمواس" (القبيبة) –وغيرها كثيرة.
وفي قرى صفد نرى أن قرى دفنا وعكبرة والجش وميرون وتليل هي أسماء رومانية بالأصل تحرفت إلى ما هي عليه الآن.
(1) جواد علي، تاريخ العرب قبل الإسلام، 2/369.