... ونقرأ أول ما نقرأ في سيرة ملكها رحبعام – بعد سليمان – أن فرعون مصر شيشق قد هاجم مملكة يهوذا واستولى على مدنها الحصينة ثم اقتحم أورشليم واستولى على جميع ما وجد في خزائن الهيكل والقصر الملكي وكان بين غنائم الهيكل 500 ترس من ذهب، ويعترف الإصحاح الرابع عشر من سفر الملوك الأول "أنه في السنة الخامسة للملك رحبعام صعد شيشق ملك مصر إلى أورشليم وأخذ خزائن بيت الرب وخزائن بيت الملك وأخذ كل شيء وأخذ جميع أتراس الذهب التي عملها سليمان". هذا ما تقوله التوراة نفسها ولا بد أن الوقائع كانت أكثر مما تقول. ولكن هذا الاعتراف يثبت سقوط السيادة اليهودية على أورشليم وعودة السيادة المصرية إليها كما شرحنا ذلك في الفصل السابق.
... والسيادة المصرية هذه لم تتجل في سيرة مملكة يهوذا وعاصمتها أورشليم فحسب، ولكنها تبرز في مسيرة مملكة إسرائيل أيضا فإن الإصحاح السادس عشر من سفر الملوك الأول يروي لنا أن سليمان طلب قتل يربعام فقام يربعام "وهرب إلى مصر إلى شيشق ملك مصر وكان في مصر إلى وفاة سليمان". ويربعام هذا أصبح فيما بعد ملكا على إسرائيل وقد هرب من وجه أبيه سليمان لأنه نهض للاستيلاء على الحكم وهرب من وجه أبيه لأنه لم يجد له ملجأ إلا في مصر التي كانت لإسرائيل بمثابة الدولة الأم.
وفي سيرة الملك اليهودي الثالث آسا (913-873 ق.م) تبرز لنا صورة أخرى من التبعية هذه المرة لا لمصر ولكن لدمشق.. ذلك أنه في خضم الحرب التي قامت بين مملكة الشمال ومملكة الجنوب استعان هذا اليهودي بملك آرام الدمشقي في محاربة أعدائه في الشمال وقدم له الهدايا من الذهب والفضة الموجودة في خزائن الهيكل في أورشليم والقصر الملكي-وبهذا أصبحت أورشليم تحت حماية السوريين بعد المصريين. ولو شئنا أن نستخدم التعابير الحديثة ليصح القول بأن أورشليم بعد أن فقدت رصيدها من الذهب والفضة على يد المصريين قد أصبحت تحت النفوذ الاقتصادي الشامي.