... وانطلق بيجن من مصيف كامب ديفد، إلى الجاليات اليهودية في أمريكا وكندا وأوروبا، يخطب فيها، في جو مليء بالحماسة والحبور، معلنا أن أورشليم هي عاصمة إسرائيل الخالدة.. وأنها كانت كذلك منذ ثلاثة آلاف سنة، وأنها ستظل كذلك إلى الأبد.
... وراحت الصهيونية بأجهزتها الإعلامية الضخمة تطلق حملة كبرى تردد فيها الدعوى الصهيونية حول "أورشليم اليهودية" وبلغت تلك الحملة من الضخامة والدويّ، بحيث أصبح الإنسان العادي في العالم يؤمن بصحة هذه الدعوى وأن مطلب العرب بحقهم حتى في "القدس الشرقية"، حتى بهذه، لا مجال لتحقيقه بل والإصغاء إليه.. فإن القدس – القديمة والجديدة – داخل الأسوار وخارجها – هي يهودية وإنها عاصمة إسرائيل التاريخية، ولا يمكن الوقوف في وجه التاريخ.. ذلك ما استطاعت إسرائيل أن تعبئِّه في كل أرجاء العالم..
... وجاءت ذروة الطغيان الإسرائيلي بصدد القدس، في الاجتماع الثاني لكامب ديفد، فقد وقف رئيس وزراء العدو بيجن في تلك الليلة أمام الأقمار الصناعية، وهو يخطب في هلوسة دينية بالغة حد العنف والصلف، وهو يردد واحدا من مزامير داود كأنه حاخام ينشد في كنيس يهودي، ويعلن بأعلى صوته أن القدس هي عاصمة إسرائيل الخالدة وأنها ستظل كذلك إلى الأبد.
... وأحسب أن العالم كله قد شهد مسرحية تلك الليلة فقد خلا الجو لرئيس وزراء العدو وكأن البيت الأبيض هو بيته، فراح يرسل تلك المداعبات التي سمعها العالم تلك الليلة ويصفق له الجمهور اليهودي المسيحي الذي اسمه الكونجرس الأمريكي!!
... وكان أقرب السامعين إلى بيجن هو الرئيس محمد أنور السادات وقد رأيته يطبق أجفانه ويفتحها، ومد التاريخ الإنساني أذنيه ليسمع ما إذا كان الرئيس السادات سينهض من مقعده ليرد على بيجن بأن القدس عربية وستكون كذلك إلى الأبد..
... ولكن لحكمة أرادها الله، سيكشفها المستقبل إن شاء الله، فإن الرئيس السادات لم ينهض من مقعده ولم ينبس ببنت شفة.